تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مجموعة رسائل الإمام الغزالي — صفحة 338

مساهمون:

ص٣٣٨
ولنا أن نصور الشمس له مثالا لما بينهما من المناسبة في شيء واحد ، وهو أن المحسوسات تنكشف بنور الشمس كما تنكشف المعقولات بالعقل فهذا القدر من المناسبة كاف في المثال ، بل السلطان يمثل في النوم بالشمس وبالقمر الوزير ، والسلطان لا يماثل الشمس بصورته ولا بمعناه ، ولا الوزير يماثل القمر . إلا أن السلطان له استعلاء على الكافة ويعم أثره النور ، كما أن الوزير واسطة بين السلطان والرغبة في إفاضة أثر العدل ، فهذا مثال وليس بمثل واللّه تعالى قال :
اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ
[ النور : 35 ] . فأي مماثلة بين نوره وبين الزجاجة والمشكاة والشجرة والزيت ؟ قال اللّه تعالى :
أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رابِياً
[ الرعد : 17 ] . ذكر ذلك تمثيلا للقرآن والقرآن صفة قديمة لا مثل له ، فكيف صار الماء له مثالا ؟ وكم من المنامات عرضت على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من رؤيا لبن أو حبل . فقال : اللبن هو الإسلام ، والحبل هو القرآن إلى أمثال له لا تحصى وأي مماثلة بين اللبن والإسلام والحبل والقرآن إلا في مناسبة ، وهو أن الحبل يتمسك به النجاة والقرآن كذلك ، واللبن غذاء تغذى به الحياة الظاهرة والإسلام غذاء تغذى به الحياة الباطنة ، فهذا كله مثال وليس بمثل ، بل هذه الأشياء لها . واللّه تعالى لا مثل له لكن له أمثلة محاكية لمناسبة معقولة من صفات اللّه تعالى ، فإنا إذا عرفنا المسترشد أن اللّه تعالى كيف يخلق الأشياء وكيف يعلمها وكيف يزيدها وكيف يتكلم وكيف يقوم الكلام بنفسه . مثلنا جميع ذلك بالإنسان ، ولولا أن الإنسان عرف من نفسه هذه الصفات لما فهم مثاله في حق اللّه تعالى ، فالمثال في حق اللّه تعالى جائز ، والمثل باطل ، فإن المثال هو ما يوضح الشيء والمثل ما يشابه الشيء . فإن قيل : هذا التحقيق الذي ذكرتموه ليس يفضي إلى أن اللّه تعالى يرى في المنام . بل إلى أن الرسول أيضا لا يرى ، فإن المرئي مثاله لا عينه فقوله : " من رآني في المنام فقد رآني " فهو نوع تجوز معناه كأنه رآني وما سمع من المثال كأنه سمع مني . قلنا : وهذا ما يريده القائل بقوله : رأيت اللّه تعالى في المنام لا غير . أما أن يريد به أنه رأى ذاته على ما هو عليه فلا ، فإنه حصل الاتفاق على أن ذات اللّه تعالى لا ترى وإن مثالا يعتقده النائم ذات اللّه تعالى أو ذات النبي يجوز أن يرى ، وكيف ينكر ذلك ، مع وجوه في المنامات ، فإن لم يره بنفسه فقد تواتر إليه من جماعة أنهم رأوا ذلك ، إلا أن المثال المعتقد قد يكون صادقا وقد يكون كاذبا ، ومعنى الصادق أن اللّه تعالى جعل رؤياه واسطة بين الرائي وبين النبي في تعريف بعض الأمور ، وفي قدرة اللّه تعالى خلق مثل هذه الواسطة بين العبد وبين اتصال الحق به وهو موجود ، فكيف يمكن إنكاره ؟ فإن قيل : إذا كانت رؤية الرسول تجوزا ، فالتجوز مما قد أذن في إطلاقه في حقه ولا يجوز في حق اللّه تعالى من الإطلاقات إلا ما ورد الإذن به . قلنا : قد ورد الإذن بإطلاق ذلك . فإن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : " رأيت ربّي في أحسن صورة " ،