تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مجموعة رسائل الإمام الغزالي — صفحة 285

مساهمون:

ص٢٨٥
الروح الخيالي فينطبع بصورة موازية للمعنى محاكية له ، وهذا الحظ من الوحي في اليقظة يحتاج إلى التأويل كما أنه في النوم يفتقر إلى التعبير ، والواقع منه في النوم نسبته إلى الخواص النبوية نسبة الواحد إلى ستة وأربعين ، والواقع منه في اليقظة نسبته أعظم من ذلك وأظن أن نسبته نسبة الواحد إلى الثلاثة ، فإن الذي انكشف لنا أن الخواص النبوية تنحصر شعبها في ثلاثة أجناس وهذا واحد من تلك الأجناس الثلاثة .

القطب الثاني : في بيان مراتب الأرواح البشرية النورانية إذ بمعرفتها تعرف أمثلة القرآن :

فالأول منها : الروح الحساس وهو الذي يتلقى ما تورده الحواس إذ كان أصل الروح الحيواني وأوله وبه يصير الحيوان حيوانا وهو موجود للصبي الرضيع . الثاني : الروح الخيالي وهو الذي يكتب ما أوردته الحواس ويحفظه مخزونا عنده ليعرضه على الروح العقلي فوقه عند الحاجة إليه . وهذا لا يوجد للصبي الرضيع في بدء نشوئه ولذلك يولع بالشيء ليأخذه ، فإذا غيب عنه ينساه ولا تنازعه نفسه إليه إلى أن يكبر قليلا بحيث إذا غيب عنه بكى وطلب ذلك لبقاء صورته محفوظة في خياله ، وهذا قد يوجد لبعض الحيوانات دون بعض ، ولا يوجد للفراش المتهافت على النار لأنه يقصد النار لشغفه بضياء النار فيظن أن السراج كوة مفتوحة إلى موضع الضياء فيلقي نفسه عليه فيتأذى به ، لكنه إذا جاوزه وحصل في الظلمة عاوده مرة أخرى بعد مرة ، ولو كان له الروح الحافظ المستثبت لما أداه الحس إليه من الألم لما عاوده بعد أن تضرر به مرة . فالكلب إذا ضرب مرة بخشبة فإذا رأى الخشبة بعد ذلك هرب . الثالث : الروح العقلي الذي يدرك المعاني الخارجة عن الحس والخيال وهو الجوهر الإنسي الخاص ولا يوجد للبهائم ولا الصبيان ، ومدركاته المعارف الضرورية الكلية كما ذكرناه عند ترجيح نور العقل على نور العين . الرابع : الروح الفكري وهو الذي يأخذ العلوم العقلية المحضة فيوقع بينها تأليفات وازدواجات ويستنتج منها معارف نفسية ثم استفاد نتيجتين مثلا ألف بينهما مرة أخرى واستفاد نتيجة مرة أخرى ، ولا تزال تتزايد كذلك إلى غير نهاية . الخامس : الروح القدسي النبوي الذي به يختص الأنبياء وبعض الأولياء ، وفيه تنجلي لوائح الغيب وأحكام الآخرة وجملة من معارف ملكوت السماوات والأرض ، بل من المعارف الربانية التي تقصر دونها الروح العقلي والفكري وإليه الإشارة بقول تعالى :
وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ وَلكِنْ جَعَلْناهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ
[ الشورى : 52 ] . ولا يبعد أيها المعتكف في عالم العقل أن يكون وراء العقل طورا آخر يظهر فيه ما لا يظهر في العقل كما لم يبعد كون العقل طورا