تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مجموعة رسائل الإمام الغزالي — صفحة 283

مساهمون:

ص٢٨٣
وفرق بين أن يقال على صورة الرحمن وبين أن يقال على صورة اللّه . إذ الرحمة الإلهية هي التي على صورة الحضرة الإلهية بهذه الصورة ، ثم أنعم على آدم فأعطاه صورة مختصرة جامعة لجميع أصناف ما في العالم حتى كأنه كل ما في العالم أو هو نسخة العالم مختصرة . وصور آدم أعني هذه الصورة مكتوبة بخط اللّه ، فهو الخط الإلهي الذي ليس برقم حروف إذ يتنزه خطه عن أن يكون رقما وحروفا ، كما يتنزه كلامه عن أن يكون صوتا وحروفا ، وقلمه عن أن يكون قصبا وحديدا ، ويده عن أن تكون لحما وعظما . ولولا هذه الرحمة لعجز الآدمي عن معرفة ربه إذ لا يعرف ربه إلا من عرف نفسه ، فلما كان هذا من آثار الرحمة كان على صورة الرحمن لا على صورة اللّه ، فحضرة الإلهية غير حضرة الرحمن وغير حضرة الملك وغير حضرة الربوبية ، ولذلك أمر بالعياذ بجميع هذه الحضرات فقال :
قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ * إِلهِ النَّاسِ
[ الناس : 1 . 2 ] . ولولا هذا المعنى لكان قوله : إن اللّه خلق آدم على صورة الرحمن غير منظوم لفظا ، بل كان ينبغي أن يقول على صورته ، واللفظ الوارد في الصحيح على صورة الرحمن . ولأن تمييز حضرة الملك عن حضرة الربوبية يستدعي شرحا طويلا ، فلنتجاوز ويكفيك من الأنموذج هذا القدر فإنه بحر لا ساحل له فإن وجدت في نفسك نفورا عن هذه الأمثال فستأنس بقوله تعالى :
أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها
[ الرعد : 17 ] . الآية . فإنه قد ورد في التفسير أن الماء هو المعرفة والأودية القلوب . خاتمة واعتذار : لا تظنن من هذا الأنموذج وطريق ضرب الأمثال رخصة مني في رفع الظواهر واعتقادا في إبطالها حتى أقول مثلا : لم يكن مع موسى نعلان ولم يسمع الخطاب بقوله :
فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ
[ طه : 12 ] . حاشا للّه فإن إبطال الظواهر رأي الباطنية الذين نظروا بالعين العوراء إلى أحد العالمين ، وجهلوا جهلا بالموازنة بينهما فلم يفهموا وجهه ، كما أن أبطال الأسرار مذهب الحشوية فالذي يجرد الظاهر حشوي ، والذي يجرد الباطن باطني والذي يجمع بينهما كامل ، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام : " للقرآن ظاهر وباطن وحد ومطلع " . وربما نقل هذا عن علي موقفا عليه ، بل أقول موسى فهم من الأمر بخلع النعلين اطرح الكونين فامتثل الأمر ظاهرا بخلع نعليه وباطنا بخلع العالمين ، فهذا هو الاعتبار أي العبور من شيء إلى غيره ومن ظاهر إلى سر ، وفرق بين من يسمع قول رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : " لا تدخل الملائكة بيتا فيه كلب أو صورة " ، فيقتني الكلب في البيت ويقول ليس الظاهر مرادا بل المراد تخلية بيت القلب عن كلب الغضب ، لأنه يمنع المعرفة التي هي من أنوار الملائكة إذ الغضب غول العقل وبين من يمتثل الأمر بالظاهر ، ثم يقول ليس الكلب بصورته بل بمعناه وهو السبعية والضراوة ، وإذا كان حفظ البيت الذي هو مقر الشخص والبدن واجبا عليه أن يحفظ عن صورة الكلبية ، فلأن يجب حفظ بيت القلب وهو مقر الجوهر الحقيقي الخاص عن سر الكلبية كان أولى ، فإن من يجمع بين الظاهر والباطن جميعا فهذا هو الكامل ، وهو المعني بقولهم الكامل من لا يطفئ نور معرفته نور ورعه ، وكذلك ترى الكامل لا يسمح لنفسه بترك حد من حدود الشرع