تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مجموعة رسائل الإمام الغزالي — صفحة 282

مساهمون:

ص٢٨٢
يعرفك مقدار ضرب المثال لأن الرؤيا جزء من النبوة . أما ترى أن الشمس في الرؤيا تعبيرها السلطان لما بينهما من المشاركة والمماثلة في معنى روحاني ، وهو الاستعلاء على الكافة مع فيضان الآثار والأنوار على الجميع ، والقمر تعبيره الوزير لإفاضة الشمس نورها بواسطة القمر على العالم عند غيبتها ، كما يفيض السلطان آثاره بواسطة الوزير على من يغيب عن حضرة السلطان ، وأن من يرى أن في يده خاتما يختم به أفواه الرجال وفروج النساء فإنه يعبر له أنه يؤذن قبل الصبح في رمضان ، ومن رأى أنه يصب الزيت في الزيتون تعبيره أن تحته جارية هي أمه وهو لا يعرفها فاستقصاء أبواب التعبير في أمثال هذا الجنس غير ممكن فلا يمكن الاشتغال بعدها ، بل أقول : كما أن في الموجودات العالية الروحانية ما مثاله الشمس والقمر والكواكب ، كذلك منها ما له أمثلة أخرى إذا اعتبرت معها أوصاف أخر سوى النورانية ، فإن كان في تلك الموجودات ما هو ثابت لا يتغير وعظيم لا يستصغر ومنه تتفجر إلى أودية القلوب البشرية مياه المعارف ونفائس المكاشفات فمثاله الطور ، وإن كانت الموجودات التي تتلقى تلك النفائس بعضها أولى من بعض فمثاله الوادي ، وإن كانت تلك النفائس بعد اتصالها بالقلوب البشرية تجري من قلب إلى قلب ، فهذه القلوب أيضا أودية ومفتتح الوادي قلوب الأنبياء والأولياء والعلماء ، ثم من بعدهم فإن كانت هذه الأودية دون الأول ومنها تغترف فبالحري أن يكون الأول هو الوادي الأيمن لكثرة يمنه وعلو درجته ، وإن كان الوادي الأول يتلقى من آخر درجات الوادي الأيمن فهو يغترف من شاطئ الوادي الأيمن دون لجته وميدانه ، وإن كان روح النبي سراجا منيرا . وكان ذلك الروح مقتبسا بواسطة وحي كما قال :
أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا
[ الشورى : 52 ] . فما منه الاقتباس مثاله النار ، وإن كان المتلقون من الأنبياء بعضهم على محض التقليد لما يسمعه وبعضهم على حظ من البصيرة ، فمثال المقلد الغير المستبصر الجذوة والقبس والشهاب وصاحب الذوق مشارك للنبي في بعض الأحوال . ومثال تلك المشاركة الاصطلاء وإنما يصطلي بالنار من معه النار لا من سمع خبرها ، وإن كان أول منزل الأنبياء الترقي إلى العالم المقدس عن كدورة الحس والخيال ، فمثال ، ذلك المنزل الوادي المقدس ، وإن كان لا يمكن وطء ذلك الوادي المقدس إلا باطراح الكونين أعني الدنيا والآخرة والتوجه إلى الواحد الحق ، وكانت الدنيا والآخرة متقابلتين متحاذيتين وهما عارضان للجوهر النوراني البشري يمكن اطراحهما مرة والتلبس بهما أخرى ، فمثال اطراحهما عند الإحرام والتوجه إلى كعبة القدس خلع النعلين بل نترقى إلى الحضرة الربوبية مرة أخرى ، فنقول : وإن كان في تلك الحضرة شيء بواسطته ننتقش العلوم المفصلة في الجواهر القابلة فمثاله القلم . وإن كان في تلك الجواهر القابلة للتلقي ما انتقش بالعلوم فمثاله اللوح والكتاب
فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ
[ الطور : 3 ] . وإن كان فوق الناقش للعلوم شيء مسخر له فمثاله اليد ، وإن كان لهذه الحضرة المشتملة على اليد واللوح والقلم والكتاب ترتيب منظوم فمثاله الصورة ، وإن كان يوجد للصور الأنسية ترتيب منظوم على هذه الشاكلة فهي على صورة الرحمن ،
مجموعة رسائل الإمام الغزالي — صفحة 282 | الغزالي