تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مجموعة رسائل الإمام الغزالي — صفحة 249

مساهمون:

ص٢٤٩
به إلا الماهر الحاذق في علم اللغة العارف بأصولها ، ثم بعادة العرب في الاستعمال في استعاراتها وتجوزاتها ومنهاجها في ضروب الأمثال . الثاني : في النصّ المتروك أنه ثبت تواترا أو آحادا أو بالإجماع المجرد ، فإن ثبت تواترا فهو على شرط التواتر أم لا ؟ إذ ربما يظن المستفيض تواترا ، وحدّ التواتر ما لا يمكن الشكّ فيه كالعلم بوجود الأنبياء ووجود البلاد المشهورة وغيرها ، وأنه متواتر في الأعصار كلها عصرا بعد عصر إلى زمان النبوّة ، فهل يتصور أن يكون قد نقص عدد التواتر في عصر من الأعصار ؟ وشرط التواتر أن لا يحتمل ذلك كما في القرآن ، أمّا في غير القرآن فيغمض مدرك ذلك جدا ولا يستقل بإدراكه إلا الباحثون عن كتب التواريخ وأحوال القرون الماضية وكتب الأحاديث وأحوال الرجال وأغراضهم في نقل المقالات . إذ قد يوجد عدد التواتر في كل عصر ولا يحصل به العلم إذ كان يتصور أن يكون للجمع الكثير رابطة في التوافق لا سيّما بعد وقوع التعصب بين أرباب المذاهب ، ولذلك ترى الروافض يدّعون النصّ على علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه ، في الإمامة لتواتره عندهم ، وتواتر عند خصومهم في أشياء كثيرة خلاف ما تواتر عندهم لشدة توافق الروافض على إقامة أكاذيبهم واتّباعها . وأمّا ما يستند إلى الإجماع فدرك ذلك من أغمض الأشياء إذ شرطه أن يجتمع أهل الحلّ والعقد في صعيد واحد ، فيتّفقوا على أمر واحد اتّفاقا بلفظ صريح ، ثم يستمروا عليه مرة عند قوم وإلى تمام انقراض العصر عند قوم ، أو يكاتبهم إمام في أقطار الأرض فيأخذ فتاويهم في زمام واحد بحيث تتفق أقوالهم اتّفاقا صريحا حتى يمتنع الرجوع عنه والخلاف بعده ، ثم النظر في أن من خالف بعده هل يكفر ؟ لأنه من الناس من قال إذا جاز في ذلك الوقت أن يختلفوا فيحمل توافقهم على اتّفاق ولا يمتنع على واحد منهم أن يرجع بعد ذلك ، وهذا غامض أيضا . الثالث : النظر في أن صاحب المقال هل تواتر عنده الخبر ، أو هل بلغه الإجماع ؟ إذ كل من يولد لا تكون الأمور عنده متواترة ، ولا موضع الإجماع عنده متميز عن مواضع الخلاف ، وإنما يدرك ذلك شيئا فشيئا ، وإنما يعرف ذلك من مطالعة الكتب المصنّفة في الاختلاف والإجماع للسلف ، ثم لا يحصل العلم في ذلك بمطالعة تصنيف ولا تصنيفين إذ لا يحصل تواتر الإجماع به ، وقد صنّف أبو بكر الفارسي رحمه اللّه كتابا في مسائل الإجماع وأنكر عليه كثير منه وخولف في بعض المسائل ، فإذا من خالف الإجماع ولم يثبت عنده بعد فهو جاهل مخطئ وليس بمكذّب فلا يمكن تكفيره . والاستقلال بمعرفة التحقيق في هذا ليس بيسير . الرابع : النظر في دليله الباعث له على مخالفة الظاهر أهو على شرائط البرهان أم لا ؟ ومعرفة شرط البرهان لا يمكن شرحها إلا في مجلدات ، وما ذكرنا في كتاب ( القسطاس المستقيم ) ، وكتاب ( محكّ النظر ) أنموذج منه وتكل قريحة أكثر فقهاء الزمان عن قصّ شروط البرهان على الاستيفاء ، ولا بدّ من معرفة ذلك فإن البرهان إذا كان قاطعا رخص في التأويل وإن كان بعيدا . فإذا لم يكن قاطعا لم يرخص إلا في تأويل قريب سابق إلى الفهم .
مجموعة رسائل الإمام الغزالي — صفحة 249 | الغزالي