تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مجموعة رسائل الإمام الغزالي — صفحة 252

مساهمون:

ص٢٥٢
فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ
فَهُوَ عَلى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ
[ النور : 22 ] . كما سئل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عن معنى شرح الصدر فقال : " نور يقذف في قلب المؤمن " ، فقيل : وما علامته ؟ قال : " التّجافي عن دار الغرور والإنابة إلى دار الخلود " . فبهذا يعلم أن المتكلم المقبل على الدنيا المتهالك عليها غير مدرك حقيقة المعرفة ولو أدركها لتجافى عن دار الغرور قطعا .

فصل في بعث النار

لعلّك تقول أنت تأخذ التكفير من التكذيب للنصوص الشرعية . والشارع صلوات اللّه عليه هو الذي ضيق الرحمة على الخلق دون المتكلم ، إذ قال عليه السلام : " يقول اللّه تعالى لآدم عليه السّلام يوم القيامة : يا آدم ابعث من ذرّيتك بعث النّار . فيقول : يا رب من كم ؟ فيقول : من كلّ ألف تسعمائة وتسعة وتسعين " . وقال عليه الصلاة والسلام : " ستفترق أمّتي على نيف وسبعين فرقة ، النّاجية منها واحدة " . الجواب : أن الحديث الأوّل صحيح ، ولكن ليس المعنى به أنهم كفار مخلدون بل إنهم يدخلون النار ويعرضون عليها ويتركون فيها بقدر معاصيهم ، والمعصوم من المعاصي لا يكون في الألف إلّا واحدا ، وكذلك قال تعالى :
وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها
[ مريم : 71 ] ، ثم بعث النار عبارة عمن استوجب النار بذنوبه ويجوز أن يصرفوا عن طريق جهنم بالشفاعة كما وردت به الأخبار ، وتشهد له الأخبار الكثيرة الدالة على سعة رحمة اللّه تعالى ، وهي أكثر من أن تحصى . فمنها ما روي عن عائشة رضي اللّه عنها ، أنها قالت : فقدت النبيّ صلى اللّه عليه وسلم ذات ليلة فابتغيته فإذا هو في مشربه يصلي ، فرأيت على رأسه أنوارا ثلاثة فلما قضى صلاته ، قال : مهيم من هذه ؟ قلت : أنا عائشة يا رسول اللّه ، قال : أرأيت الأنوار الثّلاثة ؟ قلت : نعم يا رسول اللّه ، قال : إنّ آت أتاني من ربّي فبشّرني أنّ اللّه تعالى يدخل الجنّة من أمّتي سبعين ألفا بغير حساب ولا عذاب ، ثمّ أتاني في النّور الثّاني آت من ربّي فبشّرني أنّ اللّه تعالى يدخل الجنّة من أمّتي مكان كلّ واحد من السّبعين ألفا سبعين ألفا بغير حساب ولا عذاب ، ثم أتاني في النور الثالث آت من ربي فبشرني أن اللّه تعالى يدخل الجنة من أمتي مكان كل واحد من السبعين ألفا المضاعفة سبعين ألفا بغير حساب ولا عذاب فقلت : يا رسول اللّه لا تبلغ أمتك هذا ، قال : يكمّلون لكم من الأعراب ممّن لا يصوم ولا يصلّي ، فهذا وأمثاله من الأخبار الدالّة على سعة رحمة اللّه تعالى كثير ، فهذا في أمّة محمّد صلى اللّه عليه وسلم خاصّة ، وأنا أقول : إن الرحمة تشتمل كثيرا من الأمم السالفة وإن كان أكثرهم يعرضون على النار ، إما عرضة خفيفة حتى في لحظة أو ساعة ، وإمّا في مدة حتى يطلق عليهم اسم بعث النار ، بل أقول : إن أكثر نصارى الروم والترك في هذا الزمان تشملهم الرحمة إن شاء اللّه تعالى . أعني الذين هم في أقاصي الروم والترك ولم تبلغهم الدعوة ، فإنهم ثلاثة أصناف : صنف لم يبلغهم اسم محمّد صلى اللّه عليه وسلم أصلا فهم معذورون ، وصنف