تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مجموعة رسائل الإمام الغزالي — صفحة 247

مساهمون:

ص٢٤٧
المرادون بقوله عليه الصلاة والسلام : " ستفترق أمّتي بضعا وسبعين فرقة كلّهم في الجنّة إلّا الزّنادقة وهي فرقة " . هذا لفظ الحديث في بعض الروايات وظاهر الحديث يدلّ على أنه أراد به الزنادقة من أمّته ، إذ قال : " ستفترق أمّتي " ، ومن لم يعترف بنبوّته ليس من أمّته والذين ينكرون أصل المعاد وأصل الصانع فليسوا معترفين بنبوته إذ يزعمون أن الموت عدم محض ، وأن العالم لم يزل كذلك موجودا بنفسه من غير صانع ولا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر . وينسبون الأنبياء إلى التلبيس فلا يمكن نسبتهم إلى الأمة ، فإذا لا معنى لزندقة هذه الأمة إلا ما ذكرناه .

فصل في بيان الزندقة المطلقة

اعلم أن شرح ما يكفر به وما لا يكفر به يستدعي تفصيلا يفتقر إلى ذكر كل المقالات والمذاهب ، وذكر شبهة كل واحد ، ودليله ووجه بعده عن الظاهر ووجه تأويله ، وذلك لا يحويه مجلدات ولا تتسع لشرح ذلك أوقاتي فاقنع الآن بوصية وقانون . أمّا الوصية : فأن تكف لسانك عن أهل القبلة ما أمكنك ما داموا قائلين لا إله إلّا اللّه محمّد رسول اللّه غير مناقضين لها . والمناقضة تجويزهم الكذب على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بعذر أو غير عذر ، فإن التفكير فيه خطر والسكوت لا خطر فيه . وأمّا القانون : فهو أن تعلم أن النظريات قسمان : قسم يتعلق بأصول القواعد ، وقسم يتعلق بالفروع ، وأصول الإيمان ثلاثة : الإيمان بالله وبرسوله وباليوم الآخر وما عداه فروع . واعلم أنه لا تكفير في الفروع أصلا إلّا في مسألة واحدة وهي أن ينكر أصلا دينيا علم من الرسول صلى اللّه عليه وسلم بالتواتر ، لكن في بعضها تخطئة كما في الفقهيات وفي بعضها تبديع كالخطاء المتعلق بالإمامة وأحوال الصحابة . واعلم أن الخطأ في أصل الإمامة وتعينها وشروطها وما يتعلّق بها لا يوجب شيء منه تكفيرا . فقد أنكر ابن كيسان أصل وجوب الإمامة ولا يلزم تكفيره ولا يلتفت إلى قوم يعظمون أمر الإمامة ويجعلون الإيمان بالإمام مقرونا بالإيمان بالله وبرسوله ، ولا إلى خصومهم المكفرين لهم بمجرد مذهبهم في الإمامة فكل ذلك إسراف إذ ليس في واحد من القولين تكذيب للرسول صلى اللّه عليه وسلم أصلا ، ومهما وجد التكذيب وجب التفكير وإن كان في الفروع . فلو قال قائل مثلا : البيت الذي بمكّة ليس الكعبة التي أمر اللّه تعالى بحجها فهذا كفر ، إذ قد ثبت تواترا عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم خلافه ، ولو أنكر شهادة الرسول لذلك البيت بأنه الكعبة لم ينفعه إنكاره ، بل يعلم قطعا أنه معاند في إنكاره إلا أن يكون قريب عهد بالإسلام ، ولم يتواتر عنده ذلك ، وكذلك من نسب عائشة رضي اللّه عنها إلى الفاحشة ، وقد نزل القرآن ببراءتها فهو كافر لأن هذا وأمثاله لا يمكن إلا بتكذيب الرسول أو إنكار التواتر ، والتواتر ينكره الإنسان بلسانه ولا يمكنه أن يجهله بقلبه . نعم لو أنكر ما ثبت بأخبار الآحاد فلا يلزمه به الكفر ولو أنكر ما ثبت بالإجماع ، فهذا فيه نظر لأن معرفة كون الإجماع حجّة قاطعة فيه غموض يعرفه المحصّلون لعلم أصول الفقه . وأنكر النظام كون الإجماع حجّة أصلا فصار كون الإجماع حجّة مختلف فيه فهذا حكم الفروع .