تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مجموعة رسائل الإمام الغزالي — صفحة 245

مساهمون:

ص٢٤٥
سأل سائل عن آيتين متعارضتين فعلاه بالدرة ، وكما روي عن مالك رحمه اللّه أنه سئل عن الاستواء فقال : الاستواء معلوم ، والإيمان به واجب ، والكيفية مجهولة ، والسؤال عنه بدعة . المقام الثاني : بين النظار الذين اضطربت عقائدهم المأثورة المروية ، فينبغي أن يكون بحثهم بقدر الضرورة ، وتركهم الظاهر بضرورة البرهان القاطع ، ولا ينبغي أن يكفر بعضهم بعضا بأن يراه غالطا فيما يعتقده برهانا ، فإن ذلك ليس أمرا هينا سهل المدرك وليكن للبرهان بينهم قانون متّفق عليه يعترف كلهم به ، فإنهم إذا لم يتفقوا في الميزان لم يمكنهم رفع الخلاف بالوزن ، وقد ذكرنا الموازين الخمسة في كتاب ( القسطاس المستقيم ) ، وهي التي لا يتصور الخلاف فيها بعد فهمها أصلا ، بل يعترف كل من فهمها بأنها مدارك اليقين قطعا ، والمحصلون لها يسهل عليهم عقد الإنصاف والانتصاف وكشف الغطاء ورفع الاختلاف ، ولكن لا يستحيل منهم الاختلاف أيضا إما لقصور بعضهم عن إدراك تمام شروطه . وإما في رجوعهم في النظر إلى محض القريحة والطبع دون الوزن بالميزان ، كالذي يرجع بعد تمام تعلم العروض في الشعر إلى الذوق لاستثقاله عرض كل شعر على العروض فلا يبعد أن يغلط ، وإما لاختلافهم في العلوم التي هي مقدمات البراهين ، فإن من العلوم التي هي أصول البراهين تجريبية وتواترية وغيرها ، والناس يختلفون في التجربة والتواتر فقد يتواتر عند واحد ما لا يتواتر عند غيره ، وقد يتولى تجربة ما لا يتولاه غيره . وإما لالتباس قضايا الوهم بقضايا العقل . وإما لالتباس الكلمات المشهورة المحمودة بالضروريات والأوليات كما فصلنا ذلك في كتاب ( محكّ النظر ) ، ولكن بالجملة إذا حصلوا تلك الموازين ، وحققوها أمكنهم الوقوف عند ترك العناد على موقع الغلط على يسر .

فصل في التأويل بغلبات الظنون

من الناس من يبادر إلى التأويل بغلبات الظنون من غير برهان قاطع ولا ينبغي أن يبادر أيضا إلى كفره في كل مقام بل ينظر فيه ، فإن كان تأويله في أمر لا يتعلق بأصول العقائد ومعماتها فلا نكفره ، وذلك كقول بعض الصوفية إن المراد برؤية الخليل عليه السلام الكوكب والقمر والشمس ، وقوله هذا ربي غير ظاهرها ، بل هي جواهر نورانية ملكية ونورانيتها عقلية لا حسيّة ولها درجات في الكمال . ونسبة ما بينها في التفاوت كنسبة الكواكب والقمر والشمس ، ويستدلّ عليه بأن الخليل عليه السلام أجلّ من أن يعتقد في جسم أنه إله حتى يحتاج إلى أن يشاهد أفوله . أفترى أنه لو لم يأفل أكان يتّخذه إلها ، ولو لم يعرف استحالة الإلهية من حيث كونه جسما مقدرا ، واستدلّ بأنه كيف يمكن أن يكون أوّل ما رآه الكوكب والشمس هي الأظهر وهي أول ما يرى : واستدل بأن اللّه تعالى قال أوّلا :
وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
[ الأنعام : 75 ] . ثم حكى هذا القول فكيف يمكن أن يتوهم ذلك بعد كشف الملكوت له ، وهذه دلالات ظنية وليست براهين . أمّا قوله ، هو أجلّ من ذلك ، فقد قيل إنه كان صبيا لما جرى له ذلك ولا يبعد أن يخطر لمن سيكون نبيا في صباه مثل هذا الخاطر ، ثم يتجاوزه على قرب ولا يبعد أن تكون دلالة