تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مجموعة رسائل الإمام الغزالي — صفحة 243

مساهمون:

ص٢٤٣
صفة للّه تعالى إما القدرة أو غيرها كما اختلف فيه المتكلمون . وأما الوجود الشبهي : فمثاله الغضب والشوق والفرح والصبر وغير ذلك مما ورد في حقّ اللّه تعالى ، فإن الغضب مثلا حقيقته أنه غليان دم القلب لإرادة التشفي وهذا لا ينفك عن نقصان وألم ، فمن قام عنده البرهان على استحالة ثبوت نفس الغضب للّه تعالى ثبوتا ذاتيا وحسيا وخياليا وعقليا نزله على ثبوت صفة أخرى يصدر منها ما يصدر من الغضب كإرادة العقاب ، والإرادة لا تناسب الغضب في حقيقة ذاته ولكن في صفة من الصفات وتقارنها وأثر من الآثار يصدر عنها وهو الإيلام . فهذه درجات التأويلات .

فصل في المصدقين

اعلم أن كل من نزل قولا من أقوال صاحب الشرع على درجة من هذه الدرجات فهو من المصدقين ، وإنما التكذيب أن ينفي جميع هذه المعاني ، ويزعم أن ما قاله لا معنى له ، وإنما هو كذب محض وغرضه فيما قاله التلبيس أو مصلحة الدنيا وذلك هو الكفر المحض والزندقة ، ولا يلزم كفر المؤولين ما داموا يلازمون قانون التأويل كما سنشير إليه وكيف يلزم الكفر بالتأويل ، وما من فريق من أهل الإسلام إلا وهو مضطر إليه . فأبعد الناس عن التأويل أحمد بن حنبل رحمة اللّه عليه ، وأبعد التأويلات عن الحقيقة وأغربها أن تجعل الكلام مجازا أو استعارة هو الوجود العقلي والوجود الشبهي ، والحنبلي مضطر إليه وقائل به ، فقد سمعت الثقات من أئمة الحنابلة ببغداد يقولون إن أحمد بن حنبل رحمه اللّه صرح بتأويل ثلاثة أحاديث فقط : أحدها : قوله صلى اللّه عليه وسلم : " الحجر الأسود يمين اللّه في الأرض " . والثاني : قوله صلى اللّه عليه وسلم : " قلب المؤمن بين إصبعين من أصابع الرّحمن " . والثالث : قوله صلى اللّه عليه وسلم : " إنّي لأجد نفس الرّحمن من قبل اليمن " . فانظر الآن كيف أوّل هذا حيث قام البرهان عنده على استحالة ظاهرة ، فيقول : اليمين تقبل في العادة تقربا إلى صاحبها ، والحجر الأسود يقبل أيضا تقرّبا إلى اللّه تعالى فهو مثل اليمين لا في ذاته ولا في صفات ذاته ، ولكن في عارض من عوارضه فسمي لذلك يمينا . وهذا الوجود هو الذي سميناه الوجود الشبهي وهو أبعد وجوه التأويل ، فانظر كيف اضطر إليه أبعد الناس عن التأويل . وكذلك لما استحال عنده وجود الإصبعين للّه تعالى حسّا إذ من فتش عن صدره لم يشاهد فيه إصبعين فتأوله على روح الإصبعين وهي الأصبع العقلية الروحانية . أعني أن روح الأصبع ما به يتيسر تقلب الأشياء . وقلب الإنسان بين لمة الملك ولمة الشيطان ، وبهما يقلب اللّه تعالى القلوب ، فكنى الإصبعين عنهما . وإنما اقتصر أحمد بن حنبل رضي اللّه عنه على تأويل هذه الأحاديث الثلاثة لأنه لم تظهر عنده الاستحالة إلا في هذا القدر ، لأنه لم يكن ممعنا في النظر العقلي ولو أمعن لظهر له ذلك في الاختصاص بجهة فوق وغيره مما لم يتأوله ، والأشعري والمعتزلي لزيادة بحثهما تجاوزا إلى تأويل ظواهر كثيرة ، وأقرب الناس إلى الحنابلة في أمور الآخرة الأشعرية وفقهم اللّه فإنهم قرروا فيها أكثر الظواهر إلا يسيرا ، والمعتزلة أشدّ منهم توغلا