تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مجموعة رسائل الإمام الغزالي — صفحة 166

مساهمون:

ص١٦٦
وأمثالها . فإن خادمك ضعيف كليل الطرف عن المطالعة فيها ، فأطلب من سيدي وأستاذي مختصرا أقرؤه كل يوم وأعمل بما فيه إلى آخر ما قال ، فكتب الشيخ في رده الكتاب الآتي وأرسله إليه وهو قوله رضي اللّه عنه . اعلم أيها الولد العزيز ، والصاحب المخلص أطال اللّه بقاءك في طاعته وسلك بك طريق أحبابه . أن جميع نصائح الأولين والآخرين مجموعة في أحاديث سيد المرسلين صلى اللّه عليه وسلم لأنه هو الذي أوتي جوامع الكلم ، فكل ناصح مهما نصح فهو متطفل على موائد نصحه صلى اللّه عليه وسلم : ( فإن وصلك شيء من النصائح النبوية فلا حاجة لك إلى نصائحي . وإن لم يصل إليك شيء منها فقل لي ما الذي حصلته من علومك فيما أمضيته من عمرك الذي ضيعته سدى ) . أيها الولد : كل نصائح الأولين والآخرين في مقالات سيد المرسلين مكتوبة للعالمين ، وكل منها يفيد فائدة تامة . فمنها هذا الحديث وهو : « علامة إعراض اللّه عن العبد اشتغاله بما لا يعنيه ، وإنّ امرأ ذهبت ساعة من عمره في غير ما خلق له لجدير أن يطوّل عليه حسرته ، ومن جاوز الأربعين ولم يغلب خيره شرّه فليتجهّز إلى النّار » . فهذه النصيحة والموعظة كافية لأهل الدنيا . يا ولدي : فعل النصيحة سهل والصعوبة في قبولها والعمل بها لأن طعم النصيحة في فم عابد الهوى مر والمنهيات محبوبة على العموم . خصوصا عند من يبذل همته في طلب علوم الرسم والفضل والمهارة ونحوها لاكتساب العزّ والشرف الدنيوي لأنه إنما يقصد بتحصيل العلوم مجرد العلم دون العمل له لينسب إليه العلم ويقال : فلان عالم فاضل فهذه عقيدة فاسدة وهذا القدر هو ( نهاية مذهب الفلاسفة ) والعياذ بالله إذ غايتهم تحصيل العلم بدون التفات إلى العمل ، ولم يعلموا أن العلم يكون عليهم حجة بالغة وهم في غفلة عن قوله صلى اللّه عليه وسلم : « إن أشد الناس عذابا يوم القيامة عالم لم ينفعه اللّه بعلمه » . وروى الإمام أحمد والبيهقي عن منصور بن زاذان قال : « بلغنا أن العالم إذا لم ينتفع بعلمه تصيح أهل النار من نتن ريحه ويقولون له : ما ذا كنت تفعل يا خبيث ، فقد آذيتنا بنتن ريحك . أما يكفيك ما نحن فيه من الأذى والشر ؟ فيقول لهم : كنت عالما فلم أنتفع بعلمي » . وحكي أن بعض أكابر أصحاب الجنيد رآه في نومه بعد وفاته فقال : ما فعل اللّه بك ؟ قال : طاحت تلك الإشارات ، وغابت تلك العبارات ، وفنيت تلك العلوم ، ونفذت تلك الرسوم ، وما نفعنا إلا ركيعات ، كنا نركعها في جوف الليل . أيها الولد : ينبغي أن لا تكون مفلسا من الأعمال خاليا من الأحوال والمعاني الشريفة العالية ، واعلم يقينا أن العلم بمجرده لا يأخذ بيدك يوم القيامة ويتضح لك هذا بضرب مثال ، أرأيت لو أن رجلا يحسن الحرب بينما هو يسير في مفازه ومعه عشرة سيوف هندية وقسي وسهام في غاية الجودة ، وقد تقلد بها إذ فاجأه أسد عظيم هل تدفع عنه هذه الأسلحة بمجردها