تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مجموعة رسائل الإمام الغزالي — صفحة 118

مساهمون:

ص١١٨
فإن قيل : لم لا يجوز كشف هذا السر مع هؤلاء ؟ فيقال : لأنهم أحالوا أن تكون هذه الصفة لغير اللّه تعالى ، فإذا ذكرت هذا معهم كفروك ، وقالوا : هذا تشبيه لأنك تصف نفسك بما هو صفة الإله تعالى على الخصوص وذلك جهل بأخص أوصاف اللّه تعالى . فإن قلنا : إن الإنسان حي عالم قادر مريد سميع بصير متكلم واللّه تعالى كذلك ليس فيه تشبيه لأن هذه الصفات ليست أخص أوصاف اللّه تعالى ، فكذلك البراءة عن المكان والجهة ليست أخص وصف الإله تعالى ، بل أخص وصفه تعالى أنه قيوم أي قائم بذاته وكل ما سواه قائم به وهو موجود بذاته لا بغيره وليس للأشياء من أنفسها إلا العدم ، وإنما لها الوجود من غيرها على سبيل العارية فالوجود للّه تعالى ذاتي ليس بمستعار وما سواه فوجوده منه تعالى لا من نفسه وهذه القيومية ليست إلّا للّه تعالى . فإن قيل : ما معنى نسبة الروح إلى اللّه تعالى في قوله :
وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي
[ الحجر : 29 ] . فاعلم أن الروح منزهة عن الجهة والمكان وفي قوتها العلم بجميع المعلومات والاطلاع عليها ، فهذه مضاهاة ومناسبة ليست لغيره من الجسمانيات ، فلذلك اختصت بالإضافة إلى اللّه تعالى . فإن قيل : فما معنى قوله
قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي
[ الإسراء : 85 ] . وما معنى عالم الأمر وعالم الخلق ؟ فيقال : إن كل ما يقع عليه مساحة وتقدير فهو الأجسام وعوارضها . فهذا هو عالم الخلق والخلق هاهنا بمعنى التقدير لا بمعنى الإيجاد والإحداث . يقال : خلق الشيء أي قدره وكل ما لا كمية له ولا تقدير . يقال : إنه أمر رباني وتلك المضاهاة التي ذكرناها ، فكل ما هو من هذا الجنس من أرواح البشرية وأرواح الملائكة يقال : إنه من عالم الأمر وعالم الأمر عبارة عن الموجودات الخارجة عن الحس والخيال والجهة والمكان والتحيز والدخول تحت المساحة والتقدير لانتفاء الكمية عنه . فإن قيل : فهذا يوهم أن الروح قديم ليس بمخلوق . فيقال : قد توهم هذا قوم جهال ضلال ، فمن قال إنه ليس بمخلوق بمعنى أنه غير مقدر بكمية لأنه لا يتجزأ ولا يتحيز فهو مصيب إلا أنه مخلوق بمعنى أنه حادث وليس بقديم ، لأن حدوث الروح البشرية متوقف على استعداد النطفة كما حدثت الصورة في المرآة بحدوث الصقالة وإن كان ذو الصورة سابق الوجود على الصقالة . فإن قيل : ما معنى قول النبي صلى اللّه عليه وسلم : « إنّ اللّه تعالى خلق آدم على صورته » وروي « على صورة الرحمن » فيقال : إن الصورة اسم مشترك قد يطلق على ترتيب الأشكال ووضع بعضها على بعض واختلاف تركيبها وهي الصورة المحسوسة . وقد يطلق على ترتيب المعاني التي ليست محسوسة وللمعاني أيضا تركيب وترتيب وتناسب يسمى ذلك صورة . يقال : صورة المسألة كذا وصورة الواقعة كذا وصورة العلوم الجسمانية والعقلية كذا ، فالمسألة بالصورة المذكورة هي الصورة المعقولة المعنوية والإشارة إلى المضاهاة التي ذكرناها ، ويرجع ذلك إلى الذات والصفات
مجموعة رسائل الإمام الغزالي — صفحة 118 | الغزالي