تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مجموع كتب ورسائل الإمام القاسم بن إبراهيم الرسي — صفحة 502

مساهمون:

ص٥٠٢
تقول : إن اللّه سوّل لهم ذلك . وقال يوسف صلى اللّه عليه :
مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي
[ يوسف : 96 ] . وقال يخبر عن يونس ، عليه السلام :
فَنادى فِي الظُّلُماتِ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ
[ الأنبياء : 87 ] . والقدرية تزعم أن الظلم قضاء رب العالمين . وقال النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم :
إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّما أَضِلُّ عَلى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِما يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي
[ سبأ : 50 ] . فجعل ضلالته من قبل نفسه ، وهداه من قبل ربه ، موافقة للّه ، إذ يقول سبحانه :
إِنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى ( 12 )
[ الليل : 12 ] . وقال :
الَّذِي قَدَّرَ فَهَدى ( 3 )
[ الطارق : 1 ] . وقال :
يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا
[ النساء : 176 ] . أي لئلا تضلوا . وقال :
وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى
[ فصلت : 12 ] . فكل ما كان من هدى فقد أضافه إلى نفسه ، وكل ما كان من ضلال فقد أضافه إلى خلقه ، واللّه أولى بما أضاف إلى نفسه ، والعباد أولى بما أضاف إليهم ، وكانوا هم المعتدين الظالمين ، الجائرين المخالفين لقضائه وقدره ، تبارك وتعالى . فأقرّت الأنبياء ، صلوات اللّه عليهم بالإساءة والتقصير ، فيما أغفلت وقصّرت ، وأضافت ذلك إلى أنفسها ، وإلى الشيطان ، معرفة منهم باللّه ، أنهم لم يؤتوا في ذلك من ربهم . وخالفت المجبرة والقدرية كتاب اللّه ، ووافقت الشيطان ، قلة معرفة منهم بعدل اللّه في خلقه ، ورحمته لهم ، وانتفائه من ظلمهم ، في قوله :
إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً ( 40 )
[ النساء : 40 ] . فقد ذكرنا جملة مما احتج اللّه على القدرية الكاذبة على اللّه في كتابه ، وعلى النبيين . وكيف يتوهم عاقل ، أو ينطوي قلب مؤمن ؟ ! أنه مصيب مع خلافه لقول اللّه وقول أنبيائه ؟ ! إن من ظن ذلك لقد جهل جهلا مبينا ، وضل ضلالا بعيدا . فزعموا من بعد ما حضرنا ما ذكرنا ، وما لم نذكر من حجج اللّه عليهم ، وما قد رد اللّه من مقالتهم ، وأكذبهم ما لا يحصى ، فزعموا أن اللّه خلق الخلق صنفين ، وجعلهم جزءين ، فجعل صنفا يعبدونه ، وصنفا يعبدون الشيطان ، وجعل من يعبد الشيطان أكثر ممن يعبد اللّه ، فأكذبهم بقوله :
وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ( 56 )
[ الذاريات : 56 ] .