تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مجموع رسائل الإمام الهادي إلى الحق القويم يحيى بن الحسين بن قاسم بن إبراهيم — صفحة 616

مساهمون:

ص٦١٦
فيه على مقاله واحدة ، فافترقوا في ذلك على ثلاثة أقاويل ، إذ لم يعرفوا لقول اللّه وحكمه في ذلك تأويلا ، فقال قوم : لا حد إلا على من قذف حرة محصنة بالإيمان . وقال قوم : بل الحد أيضا على من قذف أمة محصنة بالعفة والإحسان . وقال قوم : بل الحد أيضا على من قذف ذمية محصنة بالعفة ، والحد يقع بإحصان العفة ، فكل عفيفة عن الزنى مجنبة عن هذا المعنى ، كائنة من كانت من حرة أو أمة أو ذمية معاهدة فعلى قاذفها الحد الذي جعله اللّه في قذفها . فلما أن اختلفوا كذلك ولم يهتدوا إلى الرشد من ذلك علمنا أن في كتاب اللّه سبحانه بيان ما فيه اختلف أولئك ، فرجعنا إلى الكتاب نبتغي فيه بيان ذلك ، فوجدنا اللّه سبحانه يقول :
إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ الْغافِلاتِ الْمُؤْمِناتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ
[ النور : 23 ] ، يقول سبحانه : عذاب في الدنيا ، والعذاب في الدنيا فهو الضرب الذي حكم اللّه به عليهم في الدنيا ، فأما عذاب الآخرة فهي النار وبئس المصير . فبين سبحانه في هذه الآية على من يقع عذابه الذي حكم به على القاذفين ، فذكر على أنه من رمى المحصنات الغافلات المؤمنات . فنظرنا إحصان العفة ، فإذا به لا يكون ولا يصح ولا يثبت إلا بالإيمان ؛ لأن من لم يصح له الإيمان باللّه وبرسوله ، والعفة عن إنكارهما وجحدهما وجحد ما جاء به محمد صلى اللّه عليه وآله وسلم ، لم يصح له اسم العفة عما هو دون ذلك من زنى ولا غيره ، ولم يكن من أنكر اللّه ولم يعرفه بمعنى من معاني الإنكار من إنكار فطرة فطرها ، أو جحدان آية أنزلها ، أو نفي حجة له احتج بها ، أو دفع رسول من رسله ، أو إنكار فعل من اللّه في بعثته بداخل في محض العفة ، ولا مشهود له بها عمن غفل من الأمة ؛ لأن من لم يغفل عن كبائر الجحدان ، ودخل في عظائم فوادح العصيان والبهتان كان جديرا حريا بالوقوع فيما دون ذلك من العصيان . والزنى فلا يكون علانية جهارا ، وإنما يفعله أهل هذه الدار في الخفية والاستتار ، ومن حكم عليه بالكفر بالبينة الظاهرة ، فكيف يحكم له مؤمن بالعفة الباطنة ، والعفة فإنما هي مدحة من أكرم مدح المسلمين ، وبها تثبت حقائق الإيمان ، فكيف يحكم بها لمن كان من الكافرين ، وينسب إليها من جحد الدين ، وناصب رب العالمين ، وأنكر فرض طاعة خاتم النبيين ، هذا من القول ما لا يقول به عاقل ، ولا يتعلق بعلائقه إلا عم عن التمييز جاهل . فقد أزاح وللّه
مجموع رسائل الإمام الهادي إلى الحق القويم يحيى بن الحسين بن قاسم بن إبراهيم — صفحة 616 | الإمام يحيى بن الحسين