تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مجموع رسائل الإمام الهادي إلى الحق القويم يحيى بن الحسين بن قاسم بن إبراهيم — صفحة 572

مساهمون:

ص٥٧٢

معنى النفخ في الصور

وسألت عن الصور ، فقلت : ما هو ؟ وكيف هو ؟ وعلى أي وصف هو ؟ واعلم رحمك اللّه أنه ليس ثمّ صور ينفخ فيه كما يقول الجاهلون ، ويلفظ به العمون ، وإنما الصور الذي ذكر الرحمن ، فيما نزل من واضح النور والبرهان ، هو جمع ( الصور ) ، و ( الصور ) جمع ( الصورة ) ، فالعرب تقول ( صورة ) و ( صورتان ) و ( صور ) ، ثم تجمع ( الصور ) ، فيكون جمعها ( صور ) ؛ هذا معنى ( الصور ) . ونفخ اللّه فيها في النفخة الأولى ، فهو إفناؤها ، وهو نفخه فيها وهي الأبدان والصور - صور المخلوقين وأبدان العالمين - لما أراد من هلاكها وفنائها ودمارها ؛ فواقعها وحل بها من اللّه سبحانه ما أزالها ، وحق بها « 563 » منه ما أبادها ، وواقعها منه ما أتلفها « 564 » فصارت بنفخ اللّه فيها ، وما وعدها من الموت والفناء إلى الزوال والانقضاء ؛ فهذا معنى ما ذكر اللّه من النفخة الأولى في الصور المصورة ، والأجسام المفتطرة . ومعنى النفخة الأخرى فهي نفخة اللّه الثانية في الصور والأبدان المتمزقة البالية ، لما أراد من حياتها ونشرها ، وتجديدها وبعثها من بعد موتها ، فكان نفخه بالحياة فيها نفخة ثانية أخرى من بعد النفخة المهلكة الأولى . فكانت النفخة الأولى للهلكة والوفاة ، وكانت النفخة الأخرى للنشور والحياة ، قال اللّه تبارك وتعالى :
وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ
[ الزمر : 68 ] . فأخبر سبحانه أن النفخ على المعنيين ، وأن له حالين مختلفين ، إذ كان حال الأولى ما أوجبه اللّه من حال الهلاك والانقضاء ، وحال النفخة الأخرى ما جعل اللّه فيها وبها في حال الحياة بعد الفناء . فافهم ما قلنا ، واعرف من ذلك ما شرحنا ، من شرح النفخ
هامش
( 563 ) في جميع النسخ ( وحقها ) ، وما أثبتناه من ( ب ) . ( 564 ) في جميع النسخ ( أتاها ) ، وما أثبتناه من ( ب ) .