تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مجموع رسائل الإمام الهادي إلى الحق القويم يحيى بن الحسين بن قاسم بن إبراهيم — صفحة 329

مساهمون:

ص٣٢٩
فهل يقول أحد من ذوي العقول إن من كانت هذه حاله كان مختوما على سمعه ، ورسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم يناجيه ويناديه ؟ وهل يجوز على الرسول أن ينادي ويناجي من سمعه مختوم ؟ وكذلك كان نظرهم وأبصارهم فيما يأمرهم اللّه أن يبصروه من السماوات والأرض إذ يقول :
أَ فَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّماءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْناها وَزَيَّنَّاها وَما لَها مِنْ فُرُوجٍ
[ ق : 6 ] ، فهل يجوز على اللّه أن يأمر بالإبصار من هو بالختم أعمى ؟ فهذا لا يجوز على ديّان الآخرة والدنيا ، ولن يقدر أحد أن يقول إنهم كانوا عميانا لا يبصرون ، وإنهم كانوا صما لا يسمعون ، ومن ذلك ما قد بان منهم ما كانوا عليه من الكمال والمعرفة ، والعقول والتمييز في كل حال . فإن قالوا : إن اللّه طبع على قلوبهم ، وختم على سمعهم وأبصارهم عما جاء به الرسول من الحكمة والقول فقط ، وخلوا وما سوى ذلك ؛ فقد وقعوا في أعظم مما كرهوا من المهالك ، إذ زعموا أن اللّه سبحانه ختم على سمعهم وأبصارهم ، فلا يبصرونه ولا يسمعونه ، وطبع على قلوبهم فلا يفقهونه ولا يميزونه ؛ ثم أرسل نبيه صلى اللّه عليه وآله وسلم يدعوهم إلى مغالبته ، ونفي ما فعل بهم ربهم وركّب فيهم ، وتغييره - تعالى اللّه عن ذلك - وإزاحته عن أنفسهم ؛ إذ كان قد أرسله إليهم يدعوهم إلى الإيمان والاهتداء والخير والبر والإحسان ، والطاعة له ولنبيه والاستماع لأمرهما ، والعمل بالقول وباللسان والضمير بطاعتهما ، وقد علم أنهم لا يقدرون على ذلك . فنسب ، من قال بهذا ، إلى اللّه العبث والاستهزاء بنبيه صلى اللّه عليه وآله وسلم ، وزعم أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم أتاهم يدعوهم إلى المحال ، ويأمرهم بالمغالبة والدفع لما فعل فيهم ذو الجلال . ألا تسمع كيف قد أثبت لهم الفهم بما يقال لهم ، والمعرفة بما يتلى عليهم في قوله سبحانه :
إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلى أَدْبارِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلى لَهُمْ
[ محمد : 25 ] ، فأخبر اللّه الواحد الجليل فيما أوحي ونزل من التنزيل أن الهدى قد تبين لهم وصح لديهم وثبت في قلوبهم ، ولولا سلامة القلوب من الختم الذي يذهب إليه الجاهلون ويقول به على اللّه سبحانه الظالمون ، لم يثبت أبدا في قلوبهم الهدى ، ولو لم يثبت لم يبن . ثم أخبر اللّه ما سبب ارتدادهم في الطغيان ومعصيتهم من بعد أن بين لهم