تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مجموع رسائل الإمام الهادي إلى الحق القويم يحيى بن الحسين بن قاسم بن إبراهيم — صفحة 251

مساهمون:

ص٢٥١
من القوة والاستطاعة ما مكّنهم به من الإيمان والكفر ، ورغّبهم وحذّرهم ومكنهم وفوضهم ، ثم قال حينئذ : من شاء الكفر فقد جعلت السبيل إليه ، ومن شاء الإيمان ، فقد جعلت له الطريق . ثم أعلمهم أن الكفر ظلم لأنفسهم ، وأنه قد أعد للظالمين نارا أحاط بهم سرادقها ، زيادة لهم في الوعيد على معاصيه ، ثم قال :
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا
[ الكهف : 30 ] ، فأخبر أنه لا يضيع أجرهم إذا عملوا حسنا ، ترغيبا منه لهم بالوعد على طاعته ، وترك معصيته ، ولو كان قضاه عليهم ، ما قال : عملوا ؛ لأنهم مجبرون على ذلك الحسن ، ومن جبر على شيء فغير محمود فيه ، ولو كان ذلك كذلك لم يقل :
إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا
، كيف يكونون أحسنوا عملا ، وهو المحسن بهم والحاتم عليهم ، ثم ما أقبح ما أسند أهل هذا القول إلى اللّه سبحانه . ثم قال :
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُواتِ الشَّيْطانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ
[ النور : 21 ] ، فأخبر سبحانه أن الفحشاء والمنكر من الشيطان ، وتبرأ منهما ونسبهما إلى غيره ، ووعد من اتبعه العذاب ، فاللّه يبرئ نفسه من كل ظلم وفحشاء ومنكر وباطل وإضلال ، والجاهلون يلزمونه ذلك . وقال :
أَ رَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ أَ فَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا
[ الفرقان : 43 ] ، كل هذا يخبر عنهم بالقدرة على المعصية والفعل لها ، وأن ذلك ليس منه ولا أراده ؛ لأنه أكرم من أن ينهى عن شيء وهو يريده ، أو يأمر بشيء وهو يريد غيره ، أو يحمل العباد عليه . وكل ما نهى اللّه عنه فليس منه ، وكيف يكون منه ما نهى عنه ؟ هذه صفة اللّعابين ، تعالى اللّه عنها علوا كبيرا . وقال مخبرا ومخيّرا :
مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ
[ النمل : 89 - 90 ] ، فأخبر سبحانه أنه يجزيهم بفعلهم في الحسنة والسيئة ، لا بفعله بهم وقضائه عليهم ، وأن ذلك منهم وفيهم ، ألا ترى كيف يقول :
هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ
؟ أي لم