أنها لم تقارنه . فإذا صح ذلك من أصولهم لم يصح قولهم بخلق الفناد مع استحالة مقارنة المنفعة به .
وأما المعارضة بما ذهبنا إليه من الفناء فالجواب عنه من وجهين أحدهما : أنه يمكن فيما ذهبنا إليه أن يحصل به إما منفعة الاعتبار أو منفعة اللذة . فإن تفريق أجزاء الحي إذا كانت مع الشهوة كان لذيذا فيجوز أن يكون موت أجزاء الأحياء كذلك ، ويجوز أيضا أن يكون ألما فيكون عقابا دنيويا . والثاني : إنما يمنع وجوب مقارنة المنفعة على ما اشترطتموه أنتم فيكون هذا الكلام لازما لكم . فهذا هو الكلام من حيث العقل ، وأما من حيث السمع فنصوص في القرآن كثيرة منها قوله تعالى في قصة إبراهيم :
رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى »
« 1 » فإبراهيم عليه السلام سأله عن كيفية إحياء الموتى . ثم أنه تعالى أراه الجمع بعد التفريق والإحياء بعده ، وإذا أراه ذلك جوابا لسؤاله صح أنه يكون التفريق دون الفناء لوجهين ، أحدهما : أنه لو أفني لما صح فيه الجمع إلا على تقدير أن يخلق أجزاءهم متفرقة ثم يجمعها ، وذلك باطل ، ولما ثبت الجمع في كيفية الإحياء ثبت أنه لا يفني على معنى الإعدام . والثاني : أنه عليه السلام سأله عن جميع مقدمات الإحياء فلو كان الله تعالى يعدمها ثم يخلقها أحياء لأراه ذلك . وفي القرآن آيات كثيرة تدل على ما ذهبنا إليه « 2 » ، منها أنه تعالى بعد أن بيّن أن بدأ الخلق جمع بعد التفريق كما في قوله :
« خَلَقَكُمْ
« 3 »
مِنْ تُرابٍ »
« 4 » وقوله :
« وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسانِ مِنْ طِينٍ »
« 5 » .
وقوله :
« أَ وَلَمْ يَرَوْا
« 6 »
كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ »
« 7 » . وقوله :
« قُلْ
« 8 »
سِيرُوا فِي الْأَرْضِ
هامش
( 1 ) سورة البقرة ( 2 ) آية : 260 .
( 2 ) مضافة بالهامش .
( 3 ) في الأصل : « خلقتكم » .
( 4 ) سورة فاطر ( 35 ) آية : 11 .
( 5 ) سورة السجدة ( 32 ) ، آية : 7 .
( 6 ) في الأصل : « تروا » .
( 7 ) سورة العنكبوت ( 29 ) ، آية : 19 .
( 8 ) في الأصل : « أو لم تسيروا » .