تخطي إلى المحتوى الرئيسي

القضاء والقدر — صفحة 42

مساهمون:

ص٤٢
واعلم : أنه متى فعل ذلك الغير فيه ذلك المرجح ، وجب صدور الفعل عنه . فثبت : أن مجموع القدرة مع الداعي ، يوجب الفعل ، وأنه تعالى ، إن خلقهما : وجب الفعل . وإن لم يخلق مجموعهما : امتنع الفعل . فثبت : أن العبد غير مستقل بنفسه في الفعل وفي الترك . وهو مطلوب . فإن قيل : هذا الاستدلال في مقابلة البديهيات ، فيكون مردودا . بيان أنه في مقابلة البديهيات : إن على هذا التقدير ، متى حصل مجموع القدرة مع الداعي ، كان الفعل واجب الوقوع ، ولم يكن للعبد مكانة واختيار في الفعل . فعلى هذا التقدير ، يكون حال العبد دائرا بين أن يجب صدور الفعل عنه ، وبين أن يمتنع صدور الفعل عنه . وعلى هذا التقدير : يلزم أن لا يكون للعبد مكنة واختيار في الفعل والترك . وذلك باطل في بدائه العقول . لأننا نجد من أنفسنا وجدانا ضروريا أنا إن شئنا الفعل فعلنا ، وإن شئنا الترك تركنا . فثبت : أن ما ذكرتموه من الدليل : واقع في مقابلة البديهيات . فوجب أن لا يستحق الجواب . سلّمنا : أن ما ذكرتم من الدليل غير واقع في مقابلة البديهيات ؛ إلا أننا نقول : هذا الدليل الذي ذكرتم ، مطّرد بعينه في الغائب . وذلك لأن كل ما لا بد منه في كونه تعالى مؤثرا في العالم . إما أن يقال : إنه كان حاصلا في الأزل ، أو ما كان حاصلا في الأزل . فإن كان الأول ، فحينئذ يلزم أن يقال : إن مجموع الأمور التي لأجلها كان الباري مرجحا لوجود العالم على عدمه ، كان حاصلا في الأزل . وأنتم زعمتم : أنه متى حصل الرجحان ، فقد حصل الوجوب . وعلى هذا التقدير يلزم كونه تعالى : موجبا بالذات ، لا فاعلا بالاختيار . وإن كان الثاني : نقلنا الكلام في حدوث تلك الأمور ، ولا يتسلسل . بل ينتهي إلى الصفات الأزلية . وحينئذ يعود الإلزام المذكور ، وهو كونه تعالى موجبا بالذات . ثم نقول : لم لا يجوز أن يقال : القادر على الفعل وعلى الترك : يمكنه أن يرجح جانب الفعل ، على جانب الترك . وبالعكس من غير مرجح ؟ ألا ترى : أن الهارب من السبع ، إذا ظهر له طريقان متساويان . فإنه يختار أحدهما على الآخر ، لا لمرجح . والعطشان إذا خير بين قدحين متساويين فإنه يختار أحدهما على الآخر ، لا لمرجح والجائع إذا خير بين أكل رغيفين . فإنه يختار أحدهما دون الثاني ، لا لمرجح . فثبت : أن القادر يمكنه ترجيح أحد الطرفين على الآخر لا لمرجح . سلمنا : أنه لا بد في الفعل من الداعي ، وأن حصول تلك الداعية بخلق اللّه تعالى . لكن لم قلتم : إن عند حصول تلك الداعية : يجب الفعل ؟ ولم لا يجوز أن يقال : إن عند حصول تلك الداعية ، يصير الفعل أولى بالوقوع ، مع أنه لا تنتهي تلك الأولوية إلى حد الوجوب ؟ . بيانه : وهو القادر لما كانت نسبة قادريته إلى الضدين على السوية ، امتنع صدور أحدهما بدلا عن الثاني . لأن الاستواء يناقض الرجحان . أما إذا دعاه الداعي إلى فعل أحد الضدين ،