تخطي إلى المحتوى الرئيسي

القضاء والقدر — صفحة 43

مساهمون:

ص٤٣
صار ذلك الضد أولى بالوقوع . لكن بشرط أن لا تنتهي تلك الأولوية إلى حد الوجوب . فلأجل أنه حصل الرجحان ، بسبب حصول تلك الداعية ، لا يلزم رجحان أحد الطرفين المتساويين على الآخر ، لا لمرجح . ولأجل أن تلك الأولوية ، لما انتهت إلى حد الوجوب ، لم يلزم الجبر . وحصل الامتياز بين المؤثر الموجب بالذات ، وبين الفاعل بالاختيار . أما قوله : « إنه حال الاستواء ، لما كان ممتنع الوقوع ، كان حال المرجوحية أولى بالامتناع وإذا امتنع المرجوح ، وجب الراجح . ضرورة : أنه لا خروج عن النقيضين » . فنقول : هذا مغالطة . وذلك لأن الفعل كان معدوما . وعدمه كان مستمرا من الأزل إلى الأبد . والعدم المستمر لا يحتاج إلى المقتضى . فنقول : عند حصول الداعية المرجحة لجانب الوجود . الأولى دخوله في الوجود . وإن كان لا يمتنع بقاؤه على ذلك العدم الأصلي المستمر . ولا نقول : إن هذه القدرة إنما تترجح بسبب الداعية المرجوحة ، وهي داعية الترك . لأن بقاء المعدوم على عدمه الأصلي ، لا يحتاج إلى مرجح ، بل يكون استمراره على ما كان عليه ، لنفسه . وعلى هذا التقدير ، فقد زال المحال الذي ذكرتموه . والجواب عن السؤال الأول : إننا نسلم : أنا نجد من أنفسنا : أنا إن شئنا الفعل : فعلنا . وإن شئنا الترك : تركنا . ولكنا لا نجد من أنفسنا : أنا إن شئنا أن نشأ الفعل : حصلت لنا مشيئة الفعل . وإن شئنا أن نشأ الترك : حصلت لنا مشيئة الترك . وإلا لعاد الكلام في تلك المشيئة . ويلزم افتقارها إلى مشيئة ثالثة . ويلزم التسلسل . بل نجد قطعا ويقينا من أنفسنا : أنه قد يحصل في قلبنا مشيئة الفعل ، لا لأجل مشيئة أخرى سابقة عليها وقد يحصل مرة أخرى مشيئة الترك ، لا لأجل مشيئة أخرى سابقة عليها ونجد أيضا : أنه إذا حصلت المشيئة الجازمة للفعل ، في قلوبنا ، فإنه يحصل الفعل لا محالة . وإذا حصلت المشيئة الجازمة للترك في قلوبنا حصل الترك . فإذا اعتبرنا هذه الأمور ، علمنا : أنه ليس حصول المشيئة فينا : بنا . وليس ترتب الفعل الحصول مشيئة الفعل : بنا ، بل هذه أمور مترتب بعضها على البعض . والمبدأ من خلق اللّه . فيكون الكل من اللّه . فثبت بما ذكرنا : أن هذا الاعتبار الذي نجده من أنفسنا : من أدل الدلائل على أن الكل من اللّه ، وأن الإنسان مضطر في صورة مختار . وأما السؤال الثاني : وهو طلب الفرق بين المؤثرات الطبيعية ، وبين المؤثرات الاختيارية . فنقول : هذا الفرق حاصل من وجهين : الأول : إن المؤثرات الطبيعية ، دائمة مستمرة غير مغيرة . فالمؤثر في التسخين يبقى أبدا موصوفا بالوجه الذي لأجله كان موجبا للتسخين ، ولا يتغير . وكذا القول فيما يؤثر بالتبريد . بخلاف الأفعال الاختيارية . فإن الموجب للحركة بمنة : هو مجموع القدرة مع حصول الداعي إلى الحركة يسرة . وهذه الدواعي سريعة التبدل والتغير . فالقادر إذا حصلت في قلبه داعية