تخطي إلى المحتوى الرئيسي

القضاء والقدر — صفحة 33

مساهمون:

ص٣٣
القول الثاني : إن المؤثر في وجود ذلك الفعل هو قدرة اللّه تعالى ، مع قدرة العبد . ثم هاهنا احتمالان : أحدهما : أن يقال : إن قدرة اللّه تعالى مستقلة بالتأثير وقدرة العبد أيضا مستقلة بالتأثير إلا أن اجتماع المؤثرين المستقلين على الأثر الواحد : جائز . والثاني : أن يقال : قدرة اللّه تعالى مستقلة بالتأثير ، وقدرة العبد غير مستقلة بالتأثير ، وإذا انضمت قدرة اللّه تعالى إلى قدرة العبد ، صارت قدرة العبد مستقلة بالتأثير بتوسط هذه الإعانة . ويقال إن هذا القول هو مذهب الأستاذ « أبي إسحاق » « 1 » إلا أنه يحكى عنه أنه قال « قدرة العبد تؤثر بمعنى » . والقول الثالث : إن حصول الفعل عقيب مجموع القدرة مع الداعي واجب . وذلك لأن القادر من حيث إنه قادر يمكنه الفعل بدلا عن الترك ، وبالعكس ، ومع حصول هذا الاستواء ، يمتنع رجحان أحد الطرفين على الآخر . فإذا انضاف إليها حصول الداعي : حصل رجحان جانب الوجود . وعند ذلك يصير الفعل واجب الوقوع . وهذا القول هو المختار عندنا . ثم القائلون بهذا القول . إما أن يقولوا : المؤثر في دخول الفعل في الوجود : مجموع القدرة مع الداعي ، وإما أن يقولوا : ليس المؤثر في دخول الفعل في الوجود هو مجموع القدرة والداعي . وهؤلاء أيضا فريقان : فأما الذين زعموا : أن مدبر هذا العالم موجب بالذات . قالوا : إن عند حصول القدرة مع الداعي يحصل الاستعداد التام ، لدخول ذلك الفعل في الوجود إلا أن هذه القوى الجسمانية ليست لها صلاحية الإيجاد والتأثير فعند حصول الاستعداد التام يفيض الوجود من واهب الصور ، على تلك الماهيات وتصير موجودة . فحصول القدرة والداعي يفيد الاستعداد التام . وأما الوجود والحصول ، فذاك من واهب الصور . وهذا مذهب جمهور الفلاسفة . وأما الذين زعموا : أن مدبر هذا العالم فاعل مختار . قالوا : إن مجموع القدرة والداعي يستلزم حصول الفعل ، إلا أن الملزوم واللازم إنما يحصلان بقدرة اللّه تعالى كما أن الجوهر
هامش
( 1 ) هو الأستاذ أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن إسحاق الأسفراييني الملقب بركن الدين . الفقيه المتكلم الأصولي . أقام بالعراق مدة ثم انتقل إلى اسفراين فدخل عليه أهل نيسابور ونقلوه إلى نيسابور وبنوا له مدرسة درس فيها إلى أن مات يوم عاشوراء سنة 418 ه ثم حمل إلى اسفراين ودفن بها . من آثاره : جامع الحلي في أصول الدين والرد على الملحدين ، وتعليقة في أصول الفقه . أنظر : طبقات الشافعية للسبكي 4 / 256 ، تبيين كذب المفتري ص 243 ؛ وفيات الأعيان 1 / 4 - 5 ؛ البداية والنهاية لابن كثير 12 / 24 ؛ شذرات الذهب 3 / 209 - 210 ؛ تذكرة الحفاظ 3 / 1084 ؛ مرآة الجنان 3 / 31 - 32 ، معجم المؤلفين 1 / 83 ؛ طبقات ابن هداية اللّه ص 135 - 136 .
القضاء والقدر — صفحة 33 | فخر الدين الرازي