وتحصيل رتبة الاجتهاد يحتاج إلى كثير من المعارف والعلوم التي لا تتهيأ إلّا لمن جدّ واجتهد وفرّغ نفسه وبذل وسعه لتحصيلها .
في هذا البحث عدة نقاط :
النقطة الأولى : الغاية من الاجتهاد :
الغاية من كل علم هي الهدف الذي من أجله درّس هذا العلم وإلّا أصبحت دراسته عبثا ، بل إن كلّ شيء في الكون مرسوم إلى غاية منشودة لأجلها وجد هذا الشيء .
فالغاية من خلق الكائن ذي الشعور هي المعرفة والعبادة
وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ
( الذاريات / 57 ) .
وكذا كل العلوم إنما وجدت لأجل هدف وغاية ، فالغاية من علم الطب رفع الألم عن الجسد ، وعلم الصناعات غايته تحسين البنية الاقتصادية عند الشعوب ، وهكذا بقية العلوم الاعتبارية في عالم الطبيعة .
وبما أن الاجتهاد في تحصيل الدليل على الأحكام الفرعية من المنابع الفكرية الأساسية في الإسلام هو علم كبقية العلوم التي تتطلب السعي والجهد لتحصيل الدليل على أمر شرعي ، فإنّ غايته رفع المستوى الثقافي والعملي لدى الفرد المسلم والسير نحو حياة أفضل . والاجتهاد في منابع الشريعة من أهم الأمور التي ينبغي للأمة الإسلامية التي هي خير الأمم ( بما لديها من طاقات فكرية وعقائدية وسياسية واقتصادية واجتماعية ونفسية ) أن تفرّغ جماعة منها لتحصيله لئلا تبقى فارغة في مجالي العقيدة والسلوك ، تماما كتفرّغ جماعة منها لتحصيل علم الطب أو الهندسة أو غير ذلك ، بل إن تحصيل الاجتهاد لتحصيل الحكم أهم بكثير من بقية العلوم ، لأنّ تلك العلوم إذا لم تكن مقرونة بالإيمان به سبحانه والاعتقاد بما جاء به الأنبياء فستكون وبالا على أصحابها ، ومصدر فساد لأفراد الإنسانية ، لذا تندرج هذه العلوم في عداد الخدم والعبيد لعلم الشريعة الذي يكشف عنه علم خاص يسمى ب « الاجتهاد » .
النقطة الثانية : معنى الاجتهاد :
الاجتهاد مأخوذ من « الجهد » بالضم والفتح ، بمعنى الوسع والطاقة ، أو