قال المصنف : فكيف يجوز لهؤلاء النصارى واليهود أن يطمئنوا إلى عقيدتهم ويركنوا إلى دينهم ، قبل أن يفحصوا عن صحة الشريعة اللاحقة لشريعتهم كالشريعة النصرانية بالنسبة لليهود ، والشريعة الإسلامية بالنسبة إلى اليهود والنصارى . بل يجب بحسب نظرة العقول أن يفصحوا عن صحة هذه الدعوى اللاحقة ، فإن ثبتت لهم صحتها انتقلوا في دينهم إليها ، وإلّا صح لهم في شريعة العقل حينئذ البقاء على دينهم القديم والركون إليه .
أما المسلم - كما قلنا - فإنه إذا اعتقد بالإسلام لا يجب عليه الفحص لا عن الأديان السابقة على دينه ولا عن اللاحقة التي تدّعى .
أما السابقة فلأن المفروض أنه مصدّق بها فلما ذا يطلب الدليل عليها ؟
وإنما فقط قد حكم له بأنها منسوخة بشريعته الإسلامية ، فلا يجب عليه العمل بأحكامها ولا بكتبها . وأما اللاحقة فلأن نبي الإسلام محمد صلّى اللّه عليه وآله وسلّم قال :
« لا نبي بعدي » وهو الصادق الأمين كما هو مفروض
وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى ( 3 ) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى ( 4 )
فلما ذا يطلب الدليل على صحة دعوى النبوة المتأخرة إن ادعاها داع ؟
نعم على المسلم - بعد تباعد الزمان عن صاحب الرسالة واختلاف المذاهب والآراء وتشعب الفرق والنحل - أن يسلك الطريق الذي يثق فيه أنه يوصله إلى معرفة الأحكام المنزلة على حمد صاحب الرسالة ، لأنّ المسلم مكلّف بالعمل بجميع الأحكام المنزلة في الشريعة كما أنزلت ، والمسلمون مختلفون والطوائف متفرقة .
فلا الصلاة واحدة ، ولا العبادات متفقة ، ولا الأعمال في جميع المعاملات على وتيرة واحدة ! . . . فما ذا يصنع ؟ بأية طريقة من الصلاة - إذن - يصلي ؟
وبأية شاكلة من الآراء يعمل في عباداته ومعاملاته ، كالنكاح والطلاق والميراث والبيع والشراء وإقامة الحدود والديات وما إلى ذلك ؟
ولا يجوز له أن يقلد الآباء ، ويستكين إلى ما عليه أهله وأصحابه بل لا