تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفوائد البهية في شرح عقائد الإمامية — صفحة 435

مساهمون:

ص٤٣٥
وهذا العلم لا بدّ أن يكون قطعيا ويقينيا حيث يمنع صاحبه عن التلبّس بالمعصية والخطأ ويمنعه عن الضلال تماما كسائر الأخلاق التي تبحث عن العفة والشجاعة والإيثار الخ . حيث إن لكل واحدة صورة علمية راسخة موجبة لتحقق آثارها ، مانعة عن التلبّس بأضدادها من آثار الجبن والتهور والخمود والشره والبخل الخ . . . وهذا العلم - كما قلنا - شعور يقيني غير مغلوب البتة ، وليس من قبيل الشعور والإدراك الظنيين ، ولو كان كذلك لتسرّب إليه التخلف ، فهو من غير سنخ سائر العلوم والإدراكات المتعارفة التي تقبل الاكتساب والتعلّم . فالعلم اليقيني بعواقب ومثالب الأعمال الخطيرة يخلق في نفس الإنسان وازعا قويا يصدّه عن ارتكابها ، وأمثاله في حياتنا كثير ، كما لو وقف أحد على أنّ في الأسلاك الكهربائية طاقة من شأنها أن تقتل من يمسها فإنه يحجم من تلقاء نفسه عن مسّ تلك الأسلاك والاقتراب منها ، تماما كمن يعلم أن النار تحرق فلا يمكنه أن يضع نفسه في النار لعلمه القطعي أنه لو فعل لاحترق ، ونظير هذا في وقتنا الحاضر لو أن إنسانا يعلم أنّ المرأة التي أحبها حبّا جمّا مصابة بمرض السيدا فإنه لا يقربها خوفا من الإصابة والعدوي . وهكذا يقاس عليه سائر العواقب الخطيرة ، فإذا كان العلم اليقيني القطعي بالعواقب الدنيوية لبعض الأفعال يوجد تلك المصونية المانعة من ارتكاب الخطأ في نفس العالم بها ، فكيف بالعلم القطعي بالعواقب الأخروية للمعاصي ورذائل الأفعال ، علما لا يداخله ريب ولا يعتريه شكّ بحيث تسقط دونه الحجب فيرى صاحبه رأي العين تبعات المعاصي ولوازمها وآثارها في النشأة الأخرى وهو العلم الذي عبّر عنه تعالى بقوله :
كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ ( 6 ) لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ ( 7 )
( التكاثر / 6 - 7 ) . فمثل هذا العلم يجعل من صاحبه إنسانا مثاليا لا يخالف قول ربّه قيد أنملة ، فهو إضافة إلى أنه لا يرتكب معصية بتاتا فإنه لا يفكر بها على الإطلاق ، فأمثال هذا مصداق قول أمير المؤمنين علي بن أبي طالب روحي فداه واصفا المتقين : « هم والجنّة كمن رآها فهم فيها منعّمون » حيث إن هؤلاء يمتلكون عيونا برزخية يرون بها عوالم الملكوت في حين أن غيرهم يغطّ في سبات عميق في عوالم المادة وحجب الظلمة .