تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفوائد البهية في شرح عقائد الإمامية — صفحة 110

مساهمون:

ص١١٠
الآخرة ، لأن الثاني ترشح عن الأول أي أن لقاءه « 1 » سبحانه يوم الآخرة مترتب على لزوم العمل بالأوامر الإلهية في الدنيا . وسبب غفلة الإنسان عن المبدأ هو غفلته عن ذاته ونسيانه لها ، فمن أهمل نفسه بوضعها في غير الموضع الذي شرّعه اللّه تعالى لها ، ولم يتفكر في أصل خلقته من أين وإلى أين ؟ ولم يراع أحكام الإسلام التي هي نور الحياة ، لا يمكن لهكذا فرد أن يحصل على المعرفة المطلوبة ، لأنّ من نسي خلقه نسي آخرته ، والعكس هو الصحيح ، لوجود التلازم بين معرفة النفس والمعاد ، ولوجود تلازم إنكاري بين نسيان النفس ونسيان المعاد ، مما يؤدي إلى عدم معرفته لطريق الحياة فيتخبط يمينا وشمالا فيقع في المهالك فيحرم من فيضه تعالى مما يعني الخسران والهلاك ، المعبّر عنهما بنسيان اللّه تعالى لعبده بقوله تعالى :
نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ
نَسُوا اللَّهَ فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ
الحشر / 20 ) ومعنى نسيانه لعبده تركه له وعدم نظره تعالى إليه يوم اللقاء بالرحمة والفيض وإلّا فهو عزّ وجلّ لا ينسى ما دام العبد مرتبطا بجنابه
وَما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا
( مريم / 65 ) . لأنّ الشهود المحض لا يلحقه الغفلة والنسيان ، لأن ذاته المقدّسة كلها علم وقدرة فلا يطرأ عليها شيء من السلوب المادية ؛ لأن النسيان هو زوال صورة العلم المستحيلة عليه تعالى لأنه يستلزم الجهل وهو منزّه عنه سبحانه . إذن « نسيانه تعالى لعبيده » تركهم في غمراتهم يعمهون ، لأنهم لم يستجيبوا للّه وللرسالة وإنما استجابوا لرغباتهم ومشتهياتهم
اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ
( الأنفال / 25 ) . فأوامر الرسول ألطاف إلهية لإحياء النفوس القابلة التي لم تطفأ جذوتها
لِيُنْذِرَ مَنْ كانَ حَيًّا
( يس / 71 ) . لأنّ الفطرة السليمة هي الدعاء لتقبّل الفيض الأقدس على لسان المنذرين والربانيين ، أما المنحرفون الذين طمست فطرتهم وأصغوا إلى كلام إبليس وجنوده فإنه تعالى بعيد عنهم لأنهم سدّوا نوافذ قلوبهم عن نيل الرضوان وفيض الرحمن وإلّا فجوده مبسوط ، والبخل من جهة العبيد لضيق القابليات
أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً
هامش
( 1 ) المراد من « اللقاء » : اللقاء الروحي والقرب المعنوي لا الحسي فإنه منزّه عنه تعالى .
الفوائد البهية في شرح عقائد الإمامية — صفحة 110 | الشيخ محمد جميل حمود