تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفكر الخالد في بيان العقائد — صفحة 108

مساهمون:

ص١٠٨
تواجههم ، لأنّهم يدركون جيداً أنّ العالم يبتني على سلسلة من العلل والأسباب الطبيعية ، وانّ المجتمع الإنساني ملزم - لنيل مطالبه - أن يطرق باب تلك العلل والأسباب ويلج هذا الطريق للوصول إلى أهدافه ومقاصده . إنّ الأنبياء العظام والأولياء الصالحين لم يركنوا في حياتهم - الفردية أو الاجتماعية - على المعجزة والكرامة ، وما شابه ذلك ، بل كانوا - بالإضافة إلى الركون إلى فضله سبحانه وكرمه - يعدّون العدّة لكلّ شيء ، ويجدّون في العمل والمثابرة وبذل أقصى الجهود لنيل أهدافهم ، وحتّى في الحالات التي تتأزّم فيها الأُمور وتبلغ القلوب الحناجر وتحبس الأنفاس في الصدور وتوصد جميع الأبواب والسبل ، نجدهم عليهم السلام لا ينهزمون ولا ينحنون أمام تلك العواصف ، بل يتوجّهون إلى ربّهم بالدعاء والتوسّل - التي تعد أيضاً من الأسباب الطبيعية التي ينبغي التمسّك بها - ولذلك يعتمدون على اللَّه وعلى أنفسهم وجهودهم ، ولا ينتظرون من الآخرين حلّ المشاكل والأزمات لهم انطلاقاً من المثل العربي السائد « نفس عصام سوّدت عصاما . . . » . إنّهم عليهم السلام لا يعتمدون في ساحة الجهاد والحرية والاستقلال على الصدفة ، ولا يركنون إلى الأمل والتمنّي في أن تقع معجزة ما تحل لهم المشكلة . كلا أنّ ذلك لم يكن منهج الأنبياء والرسل والصالحين . ثمّ إنّ القرآن الكريم يؤكد أنّ السعادة من نصيب الناس الذين يكون إيمانهم مقترناً بالعمل الصالح والجد والمثابرة ، وليس اعتباطاً أن تتكرر جملة
« إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ » *
ثلاث وستين مرّة ، حيث تقرن الإيمان بالعمل ، وكأنّ الإيمان الحقيقي هو ذلك الإيمان المستتبع للعمل والجد والنشاط . « 1 »
هامش
( 1 ) . منشور جاويد : 1 / 345 - 350 .