تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفكر الخالد في بيان العقائد — صفحة 310

مساهمون:

ص٣١٠
الف : كيف ينسجم العفو مع العصمة ؟ ب : كيف يوجه الاعتراض والعتاب الصادر من اللَّه لنبيّه صلى الله عليه وآله وسلم في قوله :
« لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ »
؟ وللإجابة عن التساؤل الأوّل نقول : إنّ جملة
« عَفَا اللَّهُ عَنْكَ »
يمكن أن تفسّر بمعنيين كلاهما ينطبق على قواعد وقوانين اللغة العربية ، ولتعيين أحد المعنيين لا بدّ من وجود قرينة تؤيد ذلك المعنى ، وهذان المعنيان هما : 1 . انّها جملة خبرية حاكية عن شمول عفوه سبحانه للنبي في الزمان الماضي ، أي أنّها إخبار عن تحقّق العفو ، كما في قولنا : « نصر زيدٌ عمراً » فإنّها جملة خبرية ولكن لا بمعنى الإخبار عن الماضي ، وإنّما المراد منها الإنشاء وطلب العفو كما في قوله : « أيّدك اللَّه » . فعلى المعنى الأوّل تكون الجملة خبرية والهدف منها هو الإخبار عن تحقّق مفادها ، ففي هذه الصورة تكون الآية - بنظر البعض - تدلّ تلويحاً على أنّ المخاطب بها قد صدر منه فعل استحق العفو الإلهي ، ولكنّ هذا الاحتمال باطل جداً ولا أساس له من الصحّة ، وذلك لأنّ الإنسان مهما عظم وسمت مرتبته وقداسته وطهارته فإنّه - وبالقياس إلى المقام الربوبي - يبقى بحاجة إلى العفو الإلهي ، بل كلّما ازداد غناه ازدادت حاجته إلى العفو ، وكلّما ازداد سعيه ازداد ثوابه ، ولا ريب أنّ العارفين والمقرّبين من اللَّه سبحانه حينما ينظرون إلى عظم مسئولياتهم وعظم المقام الربوبي يذعنون بقصور أعمالهم وضآلة عباداتهم وجهودهم ، وحينئذٍ يلجئون وبلا اختيار إلى التضرّع والخشوع وهم ينادونه سبحانه بقولهم : « ما عَبَدْناكَ حَقَّ عِبادَتِكَ » ، فإذا كانت معاصي وذنوب الناس العاديّين تحتاج إلى طلب العفو والمغفرة الإلهية ، فإنّ ترك الأولى من المعصومين والقيام ببعض
الفكر الخالد في بيان العقائد — صفحة 310 | الشيخ جعفر السبحاني