تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفكر الخالد في بيان العقائد — صفحة 203

مساهمون:

ص٢٠٣
قتل النفس وهتك الأعراض وأكل المال بالباطل وغير ذلك ولكنّه في نفس الوقت يستحيل أن يكذب على اللَّه تعالى ؟ فإذا لم تكن في الإنسان صفة أو حالة الخوف من اللَّه فلا وجه للتفكيك بين الذنوب . ثانياً : لو صحّ التفكيك بينهما في عالم الثبوت والواقع ، لا يمكن إثباته ( الداعي لا يكذب أبداً وإن كان يرتكب سائر المعاصي ) في حقّ الداعي ومدّعي النبوة . إذ كيف يمكن للإنسان أن يقف على أنّ مدّعي النبوة مع ركوبه المعاصي واقترافه للمآثم لا يكذب أصلًا ، حتى ولو صرّح الداعي إلى الإصلاح بنفس هذا التفكيك لسرى الريب إلى نفس هذا الكلام أيضاً . وخلاصة ذلك : انّ الهدف من بعثة الأنبياء - الذي هو هداية الناس ودعوتهم إلى الدين - لا يتحقّق إلّا في ظلّ « كسب اعتماد الناس وثقتهم بالداعي » . وإنّ هذا الهدف والمسلك العام لا يتحقّق إلّا من خلال نزاهة وعصمة المربّي ، وعلى هذا الأساس لا بدّ أن يكون الأنبياء - وبحكم العقل - معصومين من الذنب والعصيان ليتسنّى لهم كسب الناس وانضمامهم إلى الدعوة والسير في طريق الهداية . ويمكن أن يتصوّر أنّه يكفي في جلب ثقة الناس وقبولهم للدعوة نزاهة النبي عن اقتراف الذنوب وارتكاب المعاصي علانية وعلى مرأى ومسمع من الناس ، وهذا لا ينافي كونه عاصياً ومقترفاً للذنوب في الخلوات وفي الخفاء ، وهذا القدر من النزاهة كافٍ في جلب الثقة . ولا ريب أنّ هذا التصوّر بحقّ الأنبياء يهدم الهدف من بعثتهم ، وذلك لأنّه في حال تجرّد النبي عن السبب المانع والرادع النفسي عن اقتراف الذنب وإنّما
الفكر الخالد في بيان العقائد — صفحة 203 | الشيخ جعفر السبحاني