تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفكر الخالد في بيان العقائد — صفحة 111

مساهمون:

ص١١١
لمريم عليها السلام ، ولذلك يقولون المسيح ابن مريم . فإذا كان عيسى عليه السلام ابناً لمريم ، فلا بدّ إنّه بشر كسائر البشر ، وآدمي كبقية الآدميّين ، محياه ومماته بيد اللَّه وتحت قدرته ، فإن شاء سبحانه منح الجميع الحياة وإن شاء سلبها عنهم ، وإذا كان المسيح من زمرة البشر - وهو كذلك - فكيف تعتبره النصارى إلهاً وهو لا يملك لنفسه حياة ولا موتاً ؟ ! ومن الجدير بالذكر أنّ القرآن الكريم قد ركّز في هذه الآية وبصورة كاملة وجلية على بشرية المسيح ، ولذلك وصفه بكونه ( ابن مريم ) ويتحدّث عن « أُمّه » وعن جميع من في الأرض بقوله :
« وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً »
مشيراً بذلك إلى بشريته ، بل وليثبت أنّ المسيح عليه السلام لا يخرج عن كونه بشراً وفرداً من أفراد النوع الإنساني يشترك مع بني نوعه في كلّ الأحكام على السواء . وبعبارة أُخرى أوضح : إنّ هناك قاعدة في الفلسفة الإسلامية يطلق عليها « حكم الأمثال » ومؤدّاها « حكم الأمثال في ما يجوز وفي ما لا يجوز واحد » . فإذا كان هلاك أفراد الإنسان - ما عدا المسيح - ممكناً كان هلاك المسيح أيضاً ممكناً كذلك لكونه منهم ، وفي هذه الصورة كيف تعتبره النصارى إلهاً والإله لا يجوز عليه الموت ؟ ! ولتتميم هذا المطلب يختم القرآن الكريم الآية بجملة
« وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما » .
وفي الحقيقة أنّ هذه الجملة تكون علّة للحكم السابق ، فمعناه أنّ اللَّه يملك إهلاك عيسى وأُمّه وكلّ أفراد البشر ، لأنّهم جميعاً ملكه وفي قبضته وتحت قدرته .
الفكر الخالد في بيان العقائد — صفحة 111 | الشيخ جعفر السبحاني