تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فضائح الباطنية — صفحة 91

مساهمون:

ص٩١
فإنه لا يقدر على أن يجعل ما نقله الواحد متواترا ، بل ولو تيقنه لم يقدر على مشافهة كافة الخلق به ، ولا تكليفهم السماع عنه تواترا ، فيقلد أشياعه دعاة المعصوم وهم غير معصومين ، بل يجوز عليهم الخطأ والكذب ، فنحن نقلد علماء الشرع ، وهم دعاة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم المؤيد بالمعجزات الباهرة ، فأىّ حاجة إلى المعصوم فيه ! وأما الصورة التي ليست منصوصة فيجتهد فيها الرأي ، إذ المعصوم لا يغنى عنها شيئا ، فإنه بين أن يعترف بأنه أيضا ظانّ والخطأ جائز في كل ذي ظن ؛ ولا يختلف ذلك بالأشخاص . فما الّذي يميز ظنه من ظن غيره وهو مجوز للخطأ على نفسه ؟ ! وإن ادعى المعرفة فيه : أيدعيها عن وحى ، أو عن سماع نص فيه ، أو عن دليل عقلي ؟ فإن ادعى تواتر الوحي إليه في كل واقعة ، فإذا هو مدّع للنبوة فيفتقر إلى معجزة ، كيف ولا يتصور تقدير المعجزة إذ بان لنا أن محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم خاتم الأنبياء . فإن جوزنا الكذب على محمد في قوله : « أنا خاتم الأنبياء » مع إقامة المعجزة ، فكيف نأمن كذب هذا المعصوم وإن أقام المعجزة ؟ ! وإن ادعى معرفته عن نص بلغه فكيف لا يستحى من دعوى نص صاحب الشرع على وقائع لا يتصور حصرها وعدها ، بل لو عمر الإنسان عمر نوح ولم يشتغل إلا بعد الصور والنصوص عليها لم يستوعب عشر عشرها . ففي أي عمر استوعب الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم جميع الصور بالنص ! فإن ادعى المعرفة بدليل عقلي ، فما أجهله بالفقهيات والعقليات جميعا ، إذ الشرعيات أمور وضعية اصطلاحية تختلف بأوضاع الأنبياء والأعصار والأمم كما نرى الشرائع مختلفة ، فكيف تجوز فيها الأدلة العقلية القاطعة ؟ ! وإن ادعاها عن دليل عقلي مفيد للنظر فالفقهاء كلهم لهم هذه الرتبة ! فاستبان أن ما ذكروه تلبيس بعيد عن التحقيق وأن العامي المنخدع به في غاية الحمق لأنهم يلبسون على العوام بأن يتبعوا الظن ، وإن الظنّ لا يغنى عن الحق شيئا ، والفقهيات لا بدّ فيها من اتباع الظن فهو ضروري ، كما في التجارات والسياسات وفصل الخصومات للمصالح ، فإن كل الأمور المصلحية تبنى على الظن ، والمعصوم كيف يغنى عن هذا الظن ، وصاحب الشريعة لم يغن عنه ولم
فضائح الباطنية — صفحة 91 | الغزالي