تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فضائح الباطنية — صفحة 94

مساهمون:

ص٩٤
الحاجزة والمهامة المهلكة ، بم يأمن الخطأ على المبلغ وهو غير المعصوم ؟ فسيقولون : يحكم بالظن ، وليس عليه أكثر من ذلك . فهذا جوابنا . فإن قلتم : إن له طريقا إلى الخلاص من الظن ، وهو أن يقصد النبي صلى اللّه عليه وسلم فإن التوجه إليه من الممكنات ، فكذا يقصد للإمام المعصوم في كل زمان ؛ قلنا : وهل يجب قصد ذلك مهما جوز الخطأ ؟ فإن قلتم : لا ، فأي فائدة في إمكانه وقد جاز له اقتحام متن الخطر فيما جوز فيه الخطأ ؟ فإذا جاز ذلك فلا بأس بفوات الإمكان . كيف ولا يقدر كل زمن « 1 » مدبر لا مال له على أن يقطع ألف فرسخ ليسأل عن مسألة فقهية واقعة ، كيف ولو قطعها ، فكيف يزول ظنه بإمامكم المعصوم وإن شافهه به إذ لا معجزة له على صدقه ؛ فبأي وجه يثق بقوله ؛ وكيف يزول ظنه به ؟ ثم يقول : لا خلاص له عن احتمال الخطأ ، ولكن لا ضرر عليه ، وغاية ما في هذا الباب أن يكون في درك الصواب مزية فضيلة ، والإنسان - في جميع مصالحه الدنيوية : من التجارة والحرب مع العدو والزراعة - يقول على ظنون فلا يقدر على الخلاص من إمكان الخطأ فيه ، ولا ضرر عليه ، بل لو أخطأ صريحا في مسألة شرعية فليس عليه ضرر ، بل الخطأ في تفاصيل الفقهيات معفو عنه شرعا بقوله صلى اللّه عليه وسلم : « من اجتهد فأصاب فله أجران ، ومن اجتهد فأخطأ فله أجر واحد » « 2 » . فما هولوا من خطر الخطأ مستحقر في نفسه عند المحصلين من أهل الدين ، وإنما يعظم به الأمر على العوام الغافلين عن أسرار الشرع ، فليس الخطأ في الفقهيات من المهلكات في الآخرة ، بل ليس ارتكاب كبيرة موجبا لتخليد العقاب ولا للزومه على وجه لا يقبل العفو ، أما المجتهدات فلا مأثم على من يخطئ فيها ، والحنفي يقول : يصلى المسافر ركعتين ؛ والشافعي يقول : يصلى أربعا ، وكيفما فعل فالتفاوت قريب ؛ ولو قدر فيه خطأ فهو معفو عنه . فإنما العبادات مجاهدات ورياضات تكسب النفوس صفاء وتبلغ في الآخرة مقاما محمودا ، كما أن تكرار المنفعة لما يتعلمه يجعله فقيه النفس
هامش
( 1 ) زمن ؛ الزمن ( المبتلى ) - ( الطاعن في السن ) . ( 2 ) متفق عليه .
فضائح الباطنية — صفحة 94 | الغزالي