تخطي إلى المحتوى الرئيسي

غاية المرام في علم الكلام — صفحة 268

مساهمون:

ص٢٦٨

وأما الإيمان :

فهو في اللغة عبارة عن التصديق ، ومنه قول بني يعقوب :
وَما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا
[ يوسف : 12 ] ، أي بمصدق ، وفي عرف استعمال أهل الحق من المتكلمين عبارة عن التصديق باللّه وصفاته وما جاءت به أنبياؤه ورسالاته ، وإليه الإشارة بقوله عليه السلام : « الإيمان هو التصديق باللّه وباليوم الآخر كأنك تراه » « 1 » فمن وفقه اللّه لهذا التصديق وأرشده إلى هذا التحقيق فهو المؤمن الحق عند اللّه وعند الخلق ، وإلا فقد شقي الشقاوة الكبرى ، وحكم بكفره في الدنيا والأخرى ؛ لأن الكفر وإن كان في اللغة عبارة عن التغطية والستر ، فهو في عرف أهل الحق من المتكلمين عبارة عن : الستر والتغطية للقدر الذي يصير به المؤمن مؤمنا لا غير ، وليس الإيمان هو الإقرار باللسان فقط ، كما زعمت الكرامية ، ولا إقامة العبادات والتمسك بالطاعات كما زعمت الخارجية ؛ فإنا نعلم من حال النبي صلى اللّه عليه وسلم عند إظهار الدعوة أنه لم يكتف من الناس بمجرد الإقرار باللسان ، ولا العمل بالأركان مع تكذيب الجنان ، بل كان يسمى من كانت حاله كذلك كاذبا ومنافقا ، ومنه قوله تعالى تكذيبا للمنافقين عند قولهم :
نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ
:
وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ
[ المنافقون : 1 ] ، ومنه أيضا شهادة الكتاب العزيز بكذبه ، وسلب إيمانه في قوله :
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ
[ البقرة : 8 ] ، وما ورد في الكتاب والسنة وأقوال الأمة في ذلك أكثر من أن يحصى . ثم لا يخفى قبح القول بأن الإيمان مجرد الإقرار باللسان ؛ من حيث إفضائه إلى تكفير من لم يظهر ما أبطنه من التصديق والطاعة ، وامتناع
هامش
( 1 ) أنظره في شرح الطحاوية ( 233 ) وهو جزء من حديث عمر المتفق عليه من سؤال جبريل للنبي صلى اللّه عليه وسلم عن الإيمان والإحسان .