تخطي إلى المحتوى الرئيسي

غاية المرام في علم الكلام — صفحة 232

مساهمون:

ص٢٣٢
وإن قيل بالوقوف على عدم لا يلزم ثبوت الأولية له بسبب إبطاله بالوجود بعده . لم يلزم القول بأن الحركة الحادثة دالة على حدث السكون ، وليس المقصود غير الإنصاف وتجنب طرق الاعتساف ، وإلا لما اهتممنا بالكشف عن هذه العورت ، ولا الإبانة عن هذه الغمرات ، وهو إنما يعرفه الفطن الثبت الواعي لا الجاهل العنيد المتعامي . فإذا الواجب فرض الدلالة في إثبات حدث الكائنات الفاسدات ، وما نجده على سبيل الاستحالة ، كالأزمنة والحركات وغير ذلك من الأمور المتعاقبات ، والطريقة الرشيقة في إثبات حدثها وبيان وجودها بعد عدمها ما سلكناه في قطع تسلسل العلل والمعلولات ، وقد سبق وجه تحقيقه ، فلا حاجة إلى إعادته ، واللازم عن ذلك على معتقد الخصم حدث الأفلاك لضرورة الحدث والانتهاء لما قام بها من الحركات وامتناع خلوها عنها عنده ، ويلزم من ذلك حدوث العقول التي هي مبادئ الأفلاك عندهم ، وحدث المعلول الأول الصادر عن واجب الوجود ، لكون ما وجد عنه وعنها حادثا ، وأن إيجادها لما وجد عنها ليس إلا بالذات وأن التقدم والتأخر بينهما بغير هذه الرتبة من الممتنعات كما عرفنا ، من تفصيل مذهبهم وأوضحناه من زيف معتقدهم . ويلزم من ذلك أن يكون وجود ما صدر عن واجب الوجود اختياريا وإبداعيا لا واجبا ، إذ لو استند ذلك إلى ذات المرجح له لما تأخر عن وجوده ، لتساوي أوقات الحدوث بالنسبة إليه . ولا يلزم على هذا أن يقال : ولو كان وجوده إراديا لما تأخر وجوده عن وجود الإرادة المخصصة له ، لتساوي أوقات الحدوث بالنسبة إليها أيضا . إذ هو يتضمن إبطال معنى الإرادة ، إذ الإرادة على ما وقع عليه الاتفاق - ليس إلا عبارة عن معنى يخصص الحادث بزمان حدوثه ، فإن قيل : إن نسبة سائر أوقات الحدوث إلى الإرادة على وتيرة واحدة ، فلم خصصته بالبعض دون البعض ؟ كان معناه : لم كانت الإرادة إرادة ؟ ولا يخفى ما فيه من الغباوة والحمق والجهالة وليس هو إلا كما لو قيل : الإنسان - مثلا - حيوان ناطق فقيل : ولم ؟ إذ ليس حاصله غير القول : لم كان الإنسان إنسانا ؟ وهو هو معنى ،