تخطي إلى المحتوى الرئيسي

غاية المرام في علم الكلام — صفحة 215

مساهمون:

ص٢١٥

القاعدة الثالثة في حدوث المخلوقات وقطع تسلسل الكائنات « 1 »

وقد اضطربت فيه الآراء ، واختلف فيه الأهواء فذهبت طوائف من الإلهيين كالرواقيين والمشائيين ، ومن تابعهم من فلاسفة الإسلاميين إلى القول بوجوب ما وجب عن الواجب بذاته مع وجوده . وإن قيل له « حادث » فليس إلا بمعنى أن وجوب وجوده لغيره ، وأن له مبدأ يستند إليه ، ويتقدم عليه تقدما بالذات ، على نحو تقدم العلل والمعلولات ، لا بمعنى أن حدوثه من عدم بل هو أزلي أبدي لم يزل ولا يزال . وكذلك حكم ما وجب عما وجب وجوده بالواجب بذاته ، وهلم جرا ، على ما ذكرناه من تفصيل مذاهبهم وإيضاح قواعدهم فيما لا يقبل الفساد ، كالأجرام الفلكية ونفوسها والعقول التي هي مبادئ لها ، فهي قديمة أزلية لم تزل ولا تزال . وما هو قابل للاستحالة كالحركات والامتزاجات أو الفساد كالصور الجوهرية للعناصر والمركبات ، فهي وان كان كل واحد منها حادثا ، لكنه لا أول لها ينتهي إليه ، بل هي لا تتناهى مدة ولا عدة ، وما من كائن فاسد إلا وقبله كائن آخر ، إلى ما لا يتناهى . ولم يوجبوا التناهي ، على أصلهم ، إلا فما له ترتيب وضعي ، كالامتدادات أو ترتيب طبيعي وآحاده موجودة معا كالعلل والمعلولات ، وأما ما سواه فالحكم بأن لا نهاية له غير مستحيل كالحركات الدورية ، والنفوس الإنسانية بعد المفارقة للأجرام البدنية ، كما سلف .
هامش
( 1 ) انظر : موافقة صحيح المنقول لشيخ الإسلام ابن تيمية ( 2 / 88 ، 90 ) ، والمحصل للرازي ( ص 78 ) ، وشرح الأصول الخمسة لعبد الجبار ( ص 92 ، 505 ، 514 ) ، ومناهج الأدلة لابن رشد ( 12 / 15 ، 138 ، 144 ) ، والنجاة لابن سينا ( ص 102 ، 104 ) ، الإشارات الإلهية له ( 2 / 127 ، 145 ) ، الشفاء له الفن الثاني من الطبيعيات ( ص 70 ، 71 ) .