تخطي إلى المحتوى الرئيسي

غاية المرام في علم الكلام — صفحة 202

مساهمون:

ص٢٠٢
وما وقعت الإشارة إليه من أقسام مدلولات الواجب مما لا ننكره ولا ننكر امتناع الوجوب في حق اللّه - تعالى - بالاعتبار الأول والثاني ؛ إنما النزاع في الاعتبار الثالث ، فإن معنى كون الفعل واجبا على اللّه - تعالى - ليس إلا أنه يلزم من فرض عدمه المحال ، وذلك المحال ليس هو لازما من فرض عدم الفعل لذاته بل لغيره ، فمعنى كون الصلاح في الفعل واجب الرعاية ، أنه يلزم من فرض عدمه العبث في حق اللّه وهو محال ومعنى كون الثواب على إيلام الحيوان واجبا أنه يلزم الظلم من فرض عدمه في حق اللّه - تعالى - وصدور القبيح منه ، وهو محال ، ولهذا صارت التناسخية إلى أن ذلك لا يقع إلا جزاء منه لها على ما فرطت واقترفت من الكبائر والجناية حين كانت أنفسها في قوالب أشرف وأحسن من قوالب الحيوان . ومن الناس من جعله قبيحا لعينه وذاته . ثم منهم من أضافه إلى ظلمه كالتناسخية . ومنهم من لم يسلم وجوده كالبكرية . فما ظنك به مع خلوه عن الجزاء المقابل ؟ وعلى هذا كل ما يوصف بالوجود من أفعال اللّه تعالى . أما قصة أبي جهل فلا احتجاج بها ، فإن ما كلفه به ممكن في نفسه ، ومتمكن منه بكونه مقدورا له ، فلم يكن ما أوجبناه من التمكين غير واقع ولا متصور . والجواب : أننا لا ننكر كون الباري - تعالى - حكيما ، وذلك بتحقق ما يتقنه من صنعته ويخلقه على [ وفق ] علمه به وبإرادته ، لا بأن يكون له فيما يفعله غرض ومقصود . والعبث إنما يكون لازما له بانتفاء الغرض عنه أن لو كان قابلا للفوائد والأغراض ، وإلا فتسميته غرضا ، عن طريق التوسع والمجاز ، هو غير ممكن ، كمن يصف الرياح في هبوبها ، والمياه عند خريرها ، والنار عند زئيرها بكونها عابثة ، إذ لا غرض لها ولا غاية تستند إليها ، ولا يخفى ما في ذلك من التحجير بوضع ما لا أصل له في الوضع .
غاية المرام في علم الكلام — صفحة 202 | سيف الدين الآمدي