تخطي إلى المحتوى الرئيسي

غاية المرام في علم الكلام — صفحة 193

مساهمون:

ص١٩٣
قال القاضي أبو بكر من أصحابنا - رحمه اللّه - ولا جائز أن يكون التأثير في إيجاد الفعل ، وإلا لما وقع الفرق ، إذ الوجود من حيث هو وجود لا يختلف ، فيجب أن يكون راجعا إلى صفة زائدة على إحداث الفعل . لكنه قال تارة في الأمر الزائد : إنه مخلوق للرب وللعبد هربا من شنيع إفراد العبد بالخلق دون الرب ، وقال تارة بانفراد العبد به ، وهو ما بين شنيع القول بالانفراد والقول بمخلوق بين خالقين وسيأتي وجه الكلام عليه فيما بعد . وربما تمسك الخصم بأن أفعال العباد لو كانت مخلوقة لغيرهم كان التكليف في نفسه باطلا ، فإن حاصله يرجع إلى المطالبة بفعل الغير ، والتكليف بالفعل لمن لا يفعله . وليس طلب ذلك منه إلا على نحو طلب إحداث الأجسام وأنواع الأكوان وهو محال . ولبطل أيضا معنى الثواب والعقاب على الأفعال ، والمجازاة على الأعمال ؛ من حيث إن الحكم بذلك للشخص بسبب فعل غيره حارف عن مذاق العقول ، وما ورد به الشرع المنقول . وهذه الشبهة هي التي أوقعت إمام الحرمين والأسفراييني - رحمهما اللّه فيما ذهبا إليه واعتمدا عليه . والجواب : أما وقوع الأفعال على حسب الدواعي والأغراض فذلك مما لا يدل على صلاحية القدرة الحادثة للإيجاد ، إذ الخلل لائح في خلاله والزلل واقع في أرجائه ، من حيث إن الأشياء منها ما يقع على حسب الدواعي ولا يضاف إلى القدرة الحادثة ، ولا يدل على صلاحيتها للإيجاد ، وذلك كما في حصول الري عند الشرب ، والشبع عند الأكل ، وحصول الألوان في صناعة الصبغ ونحو ذلك . ومنها ما لا يقع على حسب الداعية والغرض ، وذلك كما في أفعال النائم والغافل والساهي نحو ذلك ، ومع ذلك هي مضافة إلى القدرة الحادثة على أصلهم . وحيث لم يصح ما عولوا عليه طردا وعكسا لم يجز الاعتماد عليه أصلا .