تخطي إلى المحتوى الرئيسي

غاية المرام في علم الكلام — صفحة 191

مساهمون:

ص١٩١
يكن قادرا على مثلها وهو خلف ، وإذا ثبت أنه قادر على أفعال العباد فإذا حدثت وجب أن تكون مخلوقة له . وهو قريب من المسلك الأول ، إذ الخصم قد يمنع كون الرب قادرا على مثل فعل العبد ، وإن سلم فإما أن يكون في محل قدرة العبد أو خارجا عن محل قدرته : فإن كان في محل قدرة العبد فهو محل النزاع وموضع المنع . وإن كان خارجا عن محل قدرة العبد فهو غير مقدور للعبد فإذا قيل بكون الرب قادرا على فعل العبد لكونه قادرا على مثله ، فيلزم أن يكون العبد قادرا على فعل الرب لكونه قادرا على مثله ، وهو محال . ثم ولو سلم أنه قادر على فعل العبد فلا يلزم يكون خالقا له ، لما أسلفناه . وربما تمسك بعض الأصحاب هاهنا بظواهر الكتاب والسنة وأقوال بعض الأئمة ، ولا مطمع لها في القطعيات ، ولا معول عليها في اليقينيات ، فلذلك آثرنا الإعراض عنها ولم نشغل الزمان بإيرادها . والصواب في هذا الباب : أن يقال : لو لم يكن فعل العبد ، بل غيره من الموجودات الحادثة ، مقدورا للرب ، وداخلا تحت قدرته للزم أن يكون الباري تعالى ناقصا بالنسبة إلى من له القدرة عليه ، كما مضى في الإرادة ، وهو محال . ولئن تشوفنا إلى بيان امتناع إضافة الخلق إلى فعل العبد قلنا : لم يخل إما أن يكون موجدا له بالذات ؛ أو بالإرادة : لا جائز أن يكون موجدا له بالذات ؛ وإلا لما برح فاعلا له ، وهو محال خلاف ما نشاهده ، ومع ذلك فهو خلاف المذهبين . ولا جائز أن يكون موجدا له بالإرادة وإلا لما وجد دونها ، فكم من فعل يصدر من العبد ، ويعتقد كونه مخلوقا له من غير إرادة ، وذلك كما في حالة الغفلة والذهول ونحوه ، والقول بكونه مريدا في مثل هذه الحالة عين السفسطة ؛ فإنه لو سئل هل أردت ما فعلت لم يكن الجواب إلا بلا . كيف وأن الفعل بالإرادة من العبد يستدعي القصد ، والقصد يستدعي مقصودا .