تخطي إلى المحتوى الرئيسي

غاية المرام في علم الكلام — صفحة 187

مساهمون:

ص١٨٧
والآخر شرا ، وهو تناقض . وإن كان المرجح لهما أمرا خارجا عنهما فقد بطل القول بأنه لا مبدأ سواهما ، ولا مرجح إلا هما . ثم كفى بالخصم سخفا أنه لو سئل عن الدلالة على ما يعتقده ، والإبانة عما يعتمده لم يزد على قوله : وجدنا الموجودات لا تنفك عن أن تكون ثقيلة تطلب أقصى جهة السفل ، أو خفيفة تطلب أقصى جهة العلو ، أو ذات ظل حاجبة كالأشياء الكثيفة الغليظة من الحديد والحجارة ونحوها ، أو ما هو على نقيضها من الأشياء الشفافة التي لا ظل لها كالزجاجة الصافية واليواقيت ونحوها ، وبالجملة لا ينفك عن خيرات وشرور ، ولا بد من أن نرتب على كل واحد ما يليق به ، ترتيبا للأشرف على الأشرف ، والأخس على الأخس ، وإلا كان الأخس صادرا عن الأشرف ، والقبيح صادرا عن الحسن . وهو خلاف المعقول ، فإنه مع ما يشتمل عليه من الركاكة والتحكم بتخصيص المبدأ بالنور والظلمة لم يعلم أن مدلول اسم الشر ليس إلا عبارة عن عدم ذات أو عدم كمال ذات ، وأن الحسن والقبح ليس يستدعي إسناده إلى ما هو في نفسه ذات ووجوده حتى يلزم التثنية على ما لا يخفى . ثم ولو كان الشر والقبح ذاتا واستدعى أن يكون مرجحه ذاتا فلا يخفى أن العالم ينقسم إلى ما هو خير محض وإلى ما هو شر محض ، وإلى ما هو خير من وجه وشر من وجه ، ولا يوصف بكونه خيرا محضا ولا شرا محضا ، ويجب من ذلك أن يكون من المبادئ ما هو خير من وجه وشر من وجه ؛ إذ الخير المحض لا يصدر عنه إلا خير محض ، والشر المحض لا يصدر عنه إلا شر محض . وإن كان ذلك إنما يحصل بامتزاجهما ، فامتزاج كل واحد منهما بالآخر وحركته إليه إما لذاتيهما أو لمعنى زائد عليهما ، كما قال فريق منهم : إن الأصول ثلاثة ، نور محض ، وظلام محض ، وأصل ثالث ليس بنور ولا ظلام ، وهو دون النور وفوق الظلام ، وهو الموجب لامتزاجهما ، والمعدل بينهما : فإن كان لذاتيهما فهو محال ، وإلا لما تصور الافتراق بينهما ، وهو خلاف ما
غاية المرام في علم الكلام — صفحة 187 | سيف الدين الآمدي