تخطي إلى المحتوى الرئيسي

غاية المرام في علم الكلام — صفحة 184

مساهمون:

ص١٨٤
كيف وأن قولهم إنه يعلم مبدأه ويعلم ذاته دعوى ، لو سئلوا عن الدليل عليها لم يزد قولهم على أنه باعتبار ذاته ممكن أن يكون عالما ، والمانع من العلم إنما هو المادة وعلائقها ، وهي بأسرها منتفية ، فإن ماهيته مجردة عن المادة وعلائقها . وهو أيضا من أقبح المقالات وأعظم الشناعات . فإن إمكان كونه عالما لا يوجب ولا يؤثر في إيجاب العلم له ، وإلا كانت جهة الإمكان هي المرجحة لأحد الطرفين وهو ممتنع . ونفي المانع مما لا يوجب أيضا ، فإن ثبوت الشيء إنما يستند إلى ما يقتضيه ، أما إلى نفي المانع والمعارض فكلا . ثم يلزمهم من ذلك مناقضة قولهم : إن الباري - تعالى - لا يعلم الجزئيات ، من حيث إن المانع هو المادة وعلائقها ، وقد انتفت في حقه - تعالى - . ثم إن كانت هذه الجهات مما توجب الكثرة فلم قيل بانحصار ما صدر عنه في أربعة أشياء ؟ ولم لا كانت أزيد من ذلك ؟ فإن مثل هذه الجهات لديه أكثر من أن تحصى ، فإذن حاصل ما ذكروه لا يرجع إلا إلى محض تحكمات باردة ، وخيالات فاسدة ، لا يرضى بها لنفسه بعض المجانين ، فضلا عمن يزعم أنه من المحصلين . وأما المنجمون : القائلون بصنع الكواكب والأفلاك ، وأنه لا خالق ولا صانع سواها : فقد أكثر الأصحاب في الرد عليهم بأسئلة باردة ، واستفسارات جامدة ، وإلزامات لا ثبوت لها على محك النظر ، تليق بمناظرة العامة والصبيان ، فسادها يظهر ببديهة العقل لمن له أدنى تحصيل ، لا يليق أن يطول بذكرها هاهنا . فالسبيل الحق أن يقال لمن زعم منهم أن لا خالق إلها ولا مبدأ سواها : إما أن تكون باعتبار ذواتها واجبة ، أو ممكنة ، أو البعض منها واجب والبعض ممكن : فإن كانت واجبة فقد سلك الإلهيون في إبطال ذلك طريقة امتناع اجتماع واجبين ، وهي غير مرضية كما سلف . فالحق أنها لو كانت
غاية المرام في علم الكلام — صفحة 184 | سيف الدين الآمدي