تخطي إلى المحتوى الرئيسي

غاية المرام في علم الكلام — صفحة 170

مساهمون:

ص١٧٠
وجود ذلك الوصف أشرف منه بالنسبة إلى عدمه ، ولا جائز أن يقال : إنها موجبة لكماله ، وإلا لوجب قدمها لضرورة أن لا يكون الباري ناقصا محتاجا إلى ناحية كمال في حال عدمها . فبقي أن يكون اتصافه بها مما يوجب القول بنقصه بالنسبة إلى حاله قبل أن يتصف بها ، وبالنسبة إلى ما لم يتصف بها من الموجودات ، ومحال أن يكون الخالق مشروفا أو ناقصا بالنسبة إلى المخلوق ، ولا من جهة ما ، كما مضى . فإن قيل : لو لم يكن قابلا للحوادث فعند وجود المسموعات ، والمبصرات إما أن يسمعها ويبصرها أوليس : لا جائز أن يقال إنه لا يسمعها ولا يبصرها إذ هو خلاف المذهبين ، وإن أبصرها وسمعها فلا محالة أن حصول ذلك له بعد ما لم يكن ، وإلا كانت المسموعات والمبصرات قديمة لا محالة . فلو لم يكن قابلا للحوادث حتى يخلق في ذاته سمعا وبصرا يكون به الإدراك ، وإلا لما كان مدركا ، وهو محال . قلنا : دعوى إدراكه المدركات بعد ما لم يكن مدركا إما أن يراد به أنه لم يكن له إدراك فصار له إدراك ، أو يقال بقدم الإدراك وتجدد تعلقه بالمدرك : فإن قيل بالأول فهو محز الخلاف وموضع الاعتساف ، فما بال الخصم مسترسلا بالدعوى من غير دليل ، مع ما قد عرف أن من أصولنا كونه سميعا بصيرا فيما لم يزل ، والمتجدد ليس إلا تعلق الإدراك بالمدركات ، إذ شرط تعلق الإدراك بالمدركات وجود المدركات فإذا وجدت تعلق بها . أما أن يكون المتجدد هو نفس الإدراك فلا يخفى أن ما قضي بتجدده ليس صفة قائمة بذات الرب تعالى ، فتجدده لا يلزم منه محال . وليس القول بوجود الإدراك مع عدم المدرك بمستبعد ، فإنه لا يتقاصر عن قول الخصم بأنّ ما يحصل به الإدراك من الصفة الحادثة في الذات يبقى وإن زالت المدركات وعدمت ، على ما عرف من أصله ، ومع الاعتراف بجواز الاتصاف بالإدراك ، وإن زال المدرك ، لا يرد الإشكال ؛ إذ لا فرق عند كون