تخطي إلى المحتوى الرئيسي

غاية المرام في علم الكلام — صفحة 165

مساهمون:

ص١٦٥
بانتفاء ذلك . فإذا اللبيب من ترك الوهم جانبا ، ولم يتخذ غير البرهان والدليل صاحبا . وإذا عرف أن مستند ذلك ليس إلى مجرد الوهم فطريق كشف الخيال إنما هو بالنظر في البرهان ، فإنا قد بينا أنه لا بد من موجود هو مبدأ الكائنات ، وبينا أنه لا جائز أن يكون له مثل من الموجودات شاهدا ولا غائبا ، ومع تسليم هاتين القاعدتين يتبين أن ما يقضي به الوهم لا حاصل له ، ثم ولو لزم أن يكون جسما كما في الشاهد للزم أن يكون حادثا وهو ممتنع ، لما سبق . وليس هو أيضا عرضا ، وإلا لافتقر إلى مقوم يقومه في وجوده ، إذ العرض لا معنى له إلا ما وجوده في موضوع ، وذلك أيضا محال . ولا يتطرق إليه العدم لا سابقا ولا لاحقا ، وإلا كان باعتبار ذاته ممكنا ولو كان ممكنا لافتقر في وجوده إلى مرجح كما مضى . فإذا قد ثبت أن الباري - تعالى - ليس بجوهر ولا جسم ولا عرض . ولا محدث ، بل أبدي لم يزل ، وسرمدي ، لا يزال . وهو مع ذلك لا تحله الحادثات ، ولا تقوم به الكائنات ،

وللمتكلم في ذلك مسالك :

المسلك الأول :

هو أنهم قالوا : لو جاز قيام الحوادث بذات الباري - تعالى - لاستحال خلوه عنها ، وما استحال خلوه عن الحوادث فهو حادث ، والباري مستحيل أن يكون حادثا . واعلم أن هذا المسلك ضعيف جدا ، وذلك أنه وإن تسومح بتسليم أن ما لا يخلو عن الحوادث حادث لكن لا يلزم من كون الباري - تعالى - قابلا للحوادث أن لا يخلو عنها . فإن قيل : إن ما قبل شيئا من الحوادث فهو قابل لضده ، وضد الحادث حادث ، ومهما كان قابلا لضده فهو لا يخلو عن أحدهما ، فلو كان الباري قابلا للإرادة الحادثة لم يخل عنها أو عن ضدها ، ومهما لم يخل عن أحدهما ،