فقوله - عليه السلام - : « وهو على منبره فرأى في منامه رجالا . . . » مبني على ما أشرنا اليه من أن هذا النحو عن الكشف يتعلق بالاشخاص فهؤلاء الرجال كانوا من بني أمية ينزون على منبره نزو القردة ويردّون الناس على أعقابهم القهقري . وذلك النزو والرد تمثل اعمالهم القبيحة النّاشئة من ملكاتهم الخبيثة وفطانتهم البتراء ، فافهم وتبصّر .
وما قلنا من أنّ هذا النحو من الكشف يتعلق بالأشخاص على وفق ملكاتهم المستكنّة فيهم ، هو صريح الحكم الناطق في الحديث المروي عن النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - : إنّه كان قاعدا مع أصحابه في المسجد فسمعوا هدّة عظيمة فارتاعوا ، فقال ( ص ) : أتعرفون ما هذه الهدّة ؟ قالوا : اللّه ورسوله اعلم ، قال حجر ألقي من أعلى جهنّم منذ سبعين سنة ، الآن وصل إلى قعرها ، ومن سقوطه فيها هذه الّهدة ؛ فما فرغ من كلامه إلّا والصرّاخ في دار منافق من المنافقين قد مات وكان عمره سبعين سنة ، فقال رسول اللّه :
اللّه أكبر ، فعلمت الصحابة أن هذا الحجر هو ذلك ، وانه مذ خلقه اللّه يهوى في جهنم فلمّا مات حصل في قعرها ، قال اللّه - تعالى - :
« إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ »
.
فيعلم من الحديث الشريف أن جهنم هو باطن الدنيا ، وقد تبيّن في العيون السالفة أن المراد بالورود على النار في قوله - تعالى - :
« وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّا »
« 1 » هو الورود على الدنيا ، ولذا حيث يسئل عن شموله لهم عليهم السلام قال ( ع ) :
« جزناها وهي خامدة » يعني لم ينشب فينا مخالب الدنيا ، ولم نقع في اشراكها ، ولم يتعلق بأذيالنا أيدي علائقها ؛ وأن هوىّ ذلك المنافق في جهنم هو صورة صيرورة حالاته الملكات الرذيلة ، وأن حصوله في قعرها صورة التمكن فيها . وأن علم الصحابة بتلك الواقعة الهائلة المعجبة كان بتصرف رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلم - في اسماعهم حتى سمعوا بتمثل ملكات ذلك المنافق لهم ما سمعوا . وقد أقبل لهذا الآمل رحمة ربه الكريم نحو هذا التمثل مرّات عديدة ، منها انه رأى رجلا كالضبع فتبيّن أن الرجل كان آكل الربوا ، على أنه قد رأى غير واحد من السلاك إلى اللّه قد أقبل لهم نحو هذا الكشف من أحوال الأشخاص وملكاتهم على صور بهيئة أو قبيحة على وفق تلك الملكات ، وكان بعض هؤلاء السلّاك من مشايخه ، وبعضهم من تلاميذه ، ذلك فضل اللّه يؤتيه من يشاء .
ثم اعلم أن من هذا القبيل من الكشف المتعلق بالاشخاص على وفق ملكاتهم ما
هامش
( 1 ) . مريم : 71 .