التفرقة بالذات ، والمدرك من سنخ مدركه فإن يصل الأشياء فشيئا على ما اعتاد في الدنيا وتجوهر ذاته في الأولى
« وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولى فَلَوْ لا تَذَكَّرُونَ »
« 1 » فلأصحاب اليمين نيل لذة بعد نيل على التوالي ، ولأصحاب الشمال نيل ألم بعد ألم على التتالي ، ولا يسع لأهل الصورة الجمع والطي والإحاطة المعنوية كما لأهل المعنى .
قولنا : « ولامكان لها من جنس أمكنة هذا العالم » وأما المكان المثالي أي صورة المكان فلا مضايقة ؛ بل هو لازم . وأما المكان الذي هو من أمكنة هذا العالم فلا يناسب متمكنات ذلك العالم . وأيضا عالم الآخرة عالم تام ، والعالم التام جميع لوازمه في نفسه من نفسه فلا يزاحم على متمكّنات هذا العالم ولا يحتاج إلى مكانه عاليا كان أو سافلا ، كما لا يحتاج إلى زمانه ، نعم زمانه الدهر الأيسر الأعلى « 2 » » .
ثم بما تقدّم من الإشارات الحكمية يعلم أن نحو كريمة
« قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ »
« 3 » ناطقة بأنه - سبحانه - يحيي العظام العنصري الطبيعي في هذه النشأة مرة ثانية وثالثة وهكذا مرة بعد مرة في هذه النشأة الدّنياويّة على سنّته السنيئة
« فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا »
« 4 » لا أنّ النشأة الدنياوية تنتقل أخروية ، وإلّا فأين الآخرة عقبى الدار ؟ واين النشأة الأولى والثانية وقد قال عز من قائل
« وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولى فَلَوْ لا تَذَكَّرُونَ »
« 5 » . وقد أجاد صاحب بيان السعادة في تفسيرها ، فإنّ ما أفاد هو لباب ما تقدم من الإشارات الحكمية فقال :
« أو لم ير الانسان انا خلقناه من نطفة » قذرة جماد من أضعف الأشياء « فإذا هو » رجل قادر قوي ناطق « خصيم » يعني ذو عقل وعلم ونطق وقدرة وقوة على الدفع « مبين » ظاهر أو مظهر
« وَضَرَبَ لَنا مَثَلًا »
هو قوله : من يحيي العظام بعد اخذها وتفتيتها « ونسي خلقه » من نطفة بلا سبق أثر منه ، والحال أن احيائه بعد بقاء روحه وسائر آثاره من المادة والبدن المثالي والنفس الحيوانية والنفس الانسانية والروح والعقل أسهل
« قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ
هامش
( 1 ) . الواقعة : 62 .
( 2 ) . شرح الأسماء الحسنى ، للسبزواري ، ط ( الناصري ) ، ص 277 - 282 .
( 3 ) . يس : 79 .
( 4 ) . الفاطر : 44 .
( 5 ) . الواقعة : 63 .