عين في الإنشاء والانتزاع ( 33 )
لج - ومن تلك العيون الناشئة أن صور الأشياء المادّية عند النفس أهي على وجه الانتزاع ، أو الإنشاء ؟ ذهب المشاء إلى أن للنّفس صفة عزرائيلية تنتزع صور الأشياء المادّية نزعا ، وتجردّها عن قشورها المادية تجريدا ذا مراتب ؛ كما أن لها بالنسبة إلى إحياء النفوس من بني نوعها بالمعارف الإلهية وهي ماء الحياة ، صفة إسرافيلية وجبرائيلية .
والحكمة المتعالية حاكمة بأن تحقق الصور عندها على انشاء النفس إياها ، لا على انتزاعها عنها .
والمقام يقتضي بيان مراتب التجريد على مذهب المشاء ، ثم نتبعه بما يجب الإتيان بها .
فنقول : نأتي في بيان مراتب التجريد بتحرير الشيخ الرئيس من كتابه في المبدء والمعاد أولا ، ثم بتحرير المحقق الطوسي من شرحه على إشارات الشيخ ثانيا فإنهما يكفيان في بيان المراد .
قال الشيخ في الفصل الثامن من المقالة الثالثة من المبدء والمعاد ما هذا لفظه : « فصل في مراتب تجريدات الصور عن المادة » . ونقول : إن كل إدراك حسّي وتخيّلي ووهمي وعقلي فهو بتجريد الصورة عن المادة ولكن على مراتب :
فالحسّ يجرّد الصورة عن المادة لأنه ما لم يحدث في الحاسّ أثر من المحسوسات فالحاسّ عند كونه حاسّا بالفعل وكونه حاسّا بالقوة على مرتبة واحدة . ويجب إذا حدث فيه اثر من المحسوس أن يكون مناسبا للمحسوس ، لأنه إن كان غير مناسب لماهيّته لم يكن حصوله إحساسه به ، فيجب لا محالة أن تكون صورته متجردة عن مادته . ولكن الحسّ لا يجرّد هذه تجريدا تامّا ، لكن يأخذها مع علائق المادة وبإضافة إلى المادة ، حتّى إذا غابت المادة بطلت تلك الصورة .
وأما الخيال فيأخذ الصورة تجريدا أكثر ، وذلك لأن تلك الصورة تكون فيه ولا مادّتها ،