تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عين اليقين الملقب بالأنوار والأسرار — صفحة 278

مساهمون:

ص٢٧٨
فهذه النشأة مشوبة بالظلمة ، مخلوطة بالعدم ، فهي أخسّ النشآت وأضعفها ، ولضعفها احتاجت إلى مهد المكان ، وظئر الزمان ، وأهلها الذين هم أهلها أشقياء الإنس والجن ، وسائر الحيوانات ، والنباتات ، والجمادات ، من البسائط والمركبات المحسوسة في هذا العالم الأدنى ، الذين لا يكلّمهم اللّه ، ولا ينظر إليهم أبدا ، كما ورد في الحديث القدسي : « ما نظرت إلى الأجسام مذ خلقتها » « 1 » . والأشقياء وإن كانوا في النشأة المتوسطة أيضا بأبدانهم ، ولكنهم ليسوا من أهلها ؛ لعدم شوقهم إليها ، وتعلّقهم بها ، بل إنّما تعلّقهم وركونهم وشوقهم بهذه النشأة الأدنى الأرذل ؛ لأنهم رضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها ، فإذا فارقوها عذّبوا بفراقها ، وهذا بخلاف السعداء فإنهم وإن كانوا في النشأة الفانية أيضا بأبدانهم ، ولكنهم ليسوا من أهلها ؛ لعدم تعلّقهم بها ، وركونهم إليها ، بل إنّما شوقهم وحنينهم إلى النشأة الأخرى ، ولهذا نعموا بالوصول إليها ، ومفارقة هذا الأدنى . ومن هنا ورد في الحديث : « الدنيا سجن المؤمن وجنّة الكافر » « 2 » ، وتصديق هذا ما روي في نهج البلاغة ، من كلام أمير المؤمنين عليه السّلام ، في وصف الزهّاد : « كانوا قوما من أهل الدنيا ، وليسوا من أهلها ، فكانوا فيها كمن ليس منها ، عملوا فيها بما يبصرون ، وبادروا فيها ما يحذرون ، تقلّب أبدانهم بين ظهراني أهل الآخرة ، ويرون أهل الدنيا يعظمون موت أجسادهم ، وهم أشدّ إعظاما لموت قلوب أحيائهم » « 3 » .
هامش
( 1 ) - لم نعثر على مصدره . ( 2 ) - من لا يحضره الفقيه : 4 : 362 . ( 3 ) - نهج البلاغة : 352 ، رقم الخطبة « 230 » فضل الجد .