و اين كان رفق أبى بكر و حسن احتجاجه عند أبيه أبي قحافة ، و هما في دار واحدة ، هلا رفق به و دعاه الى الاسلام فأسلم ، و قد علمتم أنه بقى على الكفر الى يوم الفتح فأحضره ابنه عند النبي صلى اللَّه عليه و آله و سلم و هو شيخ كبير رأسه كالثغامة [ 1 ] فنفر رسول اللَّه صلى اللَّه عليه و آله و سلم منه و
قال : غيّروا هذا فخضبوه ،
ثم جاءوا به فأسلم و كان أبو قحافة فقيرا مدقعا [ 2 ] سيئ الحال ، و أبو بكر عندكم مثريا فائض المال ، فلم يمكنه استمالته الى الاسلام بالنفقة و الاحسان ، و قد كانت امرأة أبى بكر أم عبد اللَّه ابنه ، و اسمها نملة بنت عبد العزى بن أسعد بن عبدود العامرية لم تسلم و أقامت على شركها بمكة ، و هاجر أبو بكر و هي كافرة .
فلما نزل قوله تعالى :
وَ لا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوافِرِ
[ 3 ] طلقها أبو بكر ، فمن عجز عن ابنه و أبيه و امرأته فهو من غيرهم أعجز ، و من لم يقبل منه أبوه و ابنه و امرأته لا برفق و احتجاج ، و لا خوفا من قطع النفقة عنهم ، و ادخال المكروه عليهم فغيرهم أقل قبولا منه و أكثر خلافا عليه [ 4 ] .
« و نيز جاحظ گفته » :
و قالت أسماء بنت أبى بكر : ما عرفت أبي الا و هو يدين بالدين ، و لقد رجع إلينا يوم أسلم ، فدعانا الى الاسلام فما دومنا حتى أسلمنا و أسلم اكثر جلسائه ، و لذلك قالوا من أسلم بدعاء أبى بكر أكثر ممن أسلم بالسيف ، و لم يذهبوا في ذلك الى العدد ، بل عنوا الكثرة في القدر لانه أسلم على يديه خمسة من أهل الشورى ، كلهم يصلح للخلافة ، و هم اكفاء على و منازعوه الرياسة و الامامة ، فهؤلاء
هامش
[ 1 ] الثغامة بفتح الثاء : شجر ابيض الزهر ينبت في الجبل .
[ 2 ] المدقع بضم الميم و سكون الدال و فتح القاف : الفقير الذليل
[ 3 ] الممتحنة - 10
[ 4 ] شرح النهج ج 13 ص 270