تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح كتاب الفقه الأكبر — صفحة 57

مساهمون:

ص٥٧
وصفاته كلها بخلاف صفات المخلوقين يعلم لا كعلمنا ويقدر لا كقدرتنا ويرى لا كرؤيتنا ويسمع لا كسمعنا . . .
شرح
وكلام الطحاوي يردّ قول من قال إنه معنى واحد لا يتصوّر سماعه منه ، وأن المسموع المنزل المقروء المكتوب ليس بكلام اللّه ، وإنما هو عبارة عنه ، فإن الطحاوي يقول : كلام اللّه منه بدأ بلا كيفية أي لا نعرف كيفية تكلّمه به ، وكذا قال غيره من السلف منه بدأ وإليه يعود ، وإنما قالوا منه بدأ لأن الجهمية من المعتزلة وغيرهم كانوا يقولون : إنه خلق الكلام في محل ، فقدّر الكلام في ذلك المحل فقال السلف منه بدأ أي هو المتكلم به فمنه بدأ أي لا من بعض المخلوقات كما قال اللّه تعالى « 1 » :تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ« 2 » ، ومعنى قولهم : وإليه يعود أنه يرفع من الصدور والمصاحف كما ورد في الأحاديث . انتهى . . .

[ بحث في أن صفات الباري جل شأنه لا تشابه صفات المخلوقين ]

والأظهر عندي أن معنى وإليه يعود يرجع إليه علم تفصيل كيفية كلامه وكنه حقيقة مرامه فإن سمع موسى كلامه لا يتصوّر أن يقال سمعه كله أو بعضه ( وصفاته ) ، وفي نسخة لم يزل صفاته ( كلها ) أي ونعوت الباري جميعها واقعة في الأزل ( بخلاف صفات المخلوقين ) أي لا تشابه نعوتهم وإن وقع الاشتراك الاسمي في صفات الحق ونعت الخلق من العلم والقدرة والرؤية والكلام والسمع ونحوه كما بيّنه بقوله : ( يعلم ) أي اللّه تعالى كما في نسخة ( لا كعلمنا ) أي معشر الخلق فإنّا نعلم الأشياء بآلات وتصوّر صور حاصلات في أذهاننا بقدر أفهامنا وإعلامنا واللّه تعالى يعلم حقائق الأشياء كلها وجزئيها ظاهرها ومخفيها بعلم ذاتي صمدي أزلي أبدي ، ( ويقدّر ) أي اللّه سبحانه . ( لا كقدرتنا ) لأن قدرته تعالى قديمة لا بآلة ولا بمشاركة وهو على كل شيء قدير ، ونحن لا نقدر إلا على بعض الأشياء بالأقدار ، وذلك المقدار أيضا بالآلات والأعوان والأنصار ، وأما هو سبحانه وتعالى ففاعل مختار وقادر حكيم مدبّر بقدرة واختيار ( ويرى ) أي هو سبحانه لقوله تعالى :أَ لَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرى( لا كرؤيتنا ويسمع لا كسمعنا ) فإنّا نرى الأشكال والألوان المختلفة ونسمع الأصوات والكلمات المؤتلفة بالآلات المخلوقة في الأعضاء المركبة على وفق إبصاره لا بأبصارنا وإسماعه لا أسماعنا كما ورد في الدعاء : اللهمّ متّعنا بأسماعنا وأبصارنا ما أحييتنا واللّه سبحانه يرى الأشكال والألوان والهيئات المختلفة
هامش
( 1 ) ومن قوله : وكلام الطحاوي إلى هنا نقله الشارح أيضا من شرح الطحاوية 1 / 194 - 195 مع بعض التصرّف . ( 2 ) فصّلت : 2 .
شرح كتاب الفقه الأكبر — صفحة 57 | ملا علي القاري