تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح كتاب الفقه الأكبر — صفحة 40

مساهمون:

ص٤٠
شرح
وفيه نظر فإنه على هذا كان ينبغي أن يذكر المشيئة في الصفات لا الإرادة ، فإن قيل : إن اللّه طلب الإيمان من فرعون وأبي جهل وأمثالهما بالأمر ولم يوجد منهم الإيمان فلو كانت الإرادة والمشيئة واحدة كما زعمتم لوجد ذلك منهم ، لأن المشيئة هي الإيجاد . قلنا الطلب من اللّه تعالى على نوعين طلب من المكلف على وجه الاختيار وهو المسمى بالأمر ، ولا يلزم منه الوجود لتعلّقه باختيار المكلّف وطلب لا تعلق له باختيار المكلّف وهو المسمى بالمشيئة والإرادة والوجود من لوازمهما ، إذ لو لم يكن يلزم العجز وهو سبحانه وتعالى منزّه عنه بخلاف العباد . . . ثم الحكمة سواء كانت بمعنى العلم ، أو إحكام العمل فصفة أزلية عندنا خلافا للأشعري حيث قال : إن أريد بها العلم ، فهي أزلية ، وإن أريد بها الفعل فلا ، إذ التكوين حادث عنده . قال القونوي : القدر هو العلم المفقود ، ثم اختلفت عبارات أصحابنا رحمهم اللّه في هذه المسألة قال بعضهم نقول : إن جميع الموجودات والأفعال مراد اللّه تعالى ، ولا نقول على التفصيل إن القبائح والشرور والمعاصي من اللّه كما نقول على الإجمال : إنه خالق لجميع الموجودات ولا نقول على التفصيل إنه خالق الحيف والقاذورات . وقال بعضهم نقول على التفصيل : ولكن مقرونا بقرينة تليق به فنقول إنه أراد الكفر من الكافر كسبا له شرّا قبيحا منهيّا عنه ، كما أراد الإيمان من المؤمن كسبا له خيرا حسنا مأمورا فهو اختيارا للماتريدي ، وبه قال الأشعري هذا والمحقّقون من أهل السّنّة يقولون : الإرادة في كتاب اللّه تعالى نوعان : الأولى : إرادة قدرية كونية خلقية وهي المشيئة الشاملة لجميع الحوادث لقوله تعالى :فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّما يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ« 1 » . والثانية إرادة دينية أمرية شرعية وهي المتضمنة للمحبة والرضى كقوله تعالى :يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ« 2 » . وأمثال ذلك ، والأمر يستلزم الإرادة الثانية دون الأولى فالإمام الأعظم رحمه اللّه ذكر هذه السبعة من الصفات الذاتية ، ومنها الأحدية في الذات والواحدية في الصفات والصمدية المستغنية عن الممكنات والعظمة والكبرياء على ما ورد في الأسماء والصفات . قال البيضاوي
هامش
( 1 ) الأنعام : 125 . ( 2 ) البقرة : 185 .