وما يصح الاعتقاد عليه
شرح
وأفعاله فهو التوحيد العلمي الخبري ، وإما دعوته إلى عبادته وحده لا شريك له وخلع ما يعبد من دونه ، فهو التوحيد الإرادي الطلبي ، وإما أمر ونهي وإلزام بطاعته فذلك من حقوق التوحيد ومكمّلاته ، وإما خبر عن إكرامه لأهل التوحيد وما فعل بهم في الدنيا وما يكرمهم به في العقبى فهو جزاء توحيده ، وإما خبر عن أهل الشرك وما فعل بهم في الدنيا من النّكال وما يحلّ بهم في العقبى من العذاب والسلاسل والأغلال ، فهو جزاء من خرج عن حكم التوحيد .
فالقرآن كله في التوحيد وحقوق أهله وثنائهم وفي شأن ذمّ الشرك وعقوق أهله وجزائهم ، فالحمد للّه ربّ العالمين توحيد الرحمن الرحيم ، توحيد مالك يوم الدين إياك نعبد وإياك نستعين توحيد اهدنا الصراط المستقيم ، توحيد متضمّن لسؤال الهداية إلى طريق التوحيد صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين الذين فارقوا التوحيد عنادا وجهلا وإفسادا ، وكذا السّنّة تأتي مبينة ومقررة لما دلّ عليه القرآن فلم يحوجنا ربنا سبحانه وتعالى إلى رأي فلان وذوق فلان ووجد فلان في أصول ديننا ، ولذا نجد من خالف الكتاب والسّنّة مختلفين مضطربين بل قال اللّه تعالى :الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً« 1 » . فلا نحتاج في تكميله إلى أمر خارج عن الكتاب والسّنّة ، كما قال اللّه تعالى :هذا بَلاغٌ لِلنَّاسِ« 2 » . وقال اللّه تعالى :أَ وَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ« 3 » . وقال اللّه تعالى :وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا« 4 » . وإلى هذا المعنى أشار الطحاوي بقوله في أول عقيدته لا ندخل في ذلك متأوّلين بآرائنا ولا متوهّمين بأهوائنا فإنه ما سلم في دينه إلا من سلّمه اللّه عز وجل . ( وما يصح الاعتقاد عليه ) . أي وما يصح اعتماد الاعتقاد عليه في هذا الباب ، وهذا معنى قوله : الفقه معرفة النفس ما لها وما عليها ، وقد أعرض الإمام عن بحث الوجود اكتفاء بما هو ظاهر في مقام الشهود ففي التنزيل :قالَتْ رُسُلُهُمْ أَ فِي اللَّهِ شَكٌّ فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِوَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ« 5 » . فوجود الحق ثابت في فطرة الخلق كما يشير إليه قوله سبحانه وتعالى :فِطْرَتَ
هامش
( 1 ) المائدة : 3 .
( 2 ) إبراهيم : 52 .
( 3 ) العنكبوت : 51 .
( 4 ) الحشر : 8 .
( 5 ) إبراهيم : 10 .