خلق الخلق فكان بديئا بديعا
يحتمل أن يكون ضمير « كان » يرجع إلى « الخلق » فيكون « البديء » و « البديع » بمعنى المفعول أي المخلوق ؛ وأن يكون راجعا إلى اللّه سبحانه فيكونان بمعنى الفاعل أي المبدئ والمبدع . والأوّل ، أنسب بالنسبة إلى الحكم السّابق . والغرض انّ الخلق يصحّ عليه أن يكون مبتدأ منه مبتدعا ، واللّه سبحانه لا يبتدي ولا يبتدع من شيء .
وعلى الاحتمالين يكون ردّا على من زعم انّه تعالى لمّا خلق الخلق بعد ما لم يكن ، يصحّ عليه قول « متى » بأن يقال : متى خلق ؟
وتحقيق الجواب : على « الاحتمال الأوّل » ، هو أنّ فعله تعالى ليس في زمان - لست أقول ذلك في المفارقات بل في جميع الموجودات - إذ الفاعل الّذي ليس في زمان فصنعه أيضا ليس في زمان ، إنّما مصنوعه زمانيّ وذلك لأنّه لو كان صنعه في زمان وإيجاده في زمان ، لكان هو في زمان إذ هو فاعل بذاته . فإيجاده الخلق يجعل الخلق بديئا بديعا أي ذا ابتداء ؛ وعلى « الاحتمال الثّاني » ، هو أنّ إيجاد اللّه سبحانه الخلق ، لا يستفيد له سبحانه ظهورا وبطونا « 1 » ، أو تركا ووصولا بل إنّما هو إظهار لما خفي من العالم وإبداء لما يكمن في الغيب ظهورا أتمّ . واللّه أعلم وأحكم .
ابتدأ ما ابتدع وابتدع ما ابتدأ وفعل « 2 » ما أراد وأراد ما استزاد ذلكم اللّه ربّ العالمين
هذا القول ، لردّ ما يمكن أن يتوهّم من الردّ السّابق ، وهو أنّ هذه الأشياء « شؤون يبديها لا شؤون يبتديها » « 3 » كما ذهب إليه أكثر المتصوّفة :
هامش
( 1 ) . وبطونا : أو بطونا م .
( 2 ) . وفعل : فعل م .
( 3 ) . مرّ في ص 133 .