السادس فصل الإيمان أهله فيه سواء والتفاضل بينهم بالطاعة
ومن حكم أن أصحاب المعصية ليسوا من المؤمنين فهو خارجي ؛ لأنهم لو كفروا لما سماهم الله مؤمنين ، والله تعالى سمى هذه الأصناف الثلاثة بأسمائهم ، فقال للمؤمن المخلص في إيمانه :
يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ
[ البقرة : 21 ] . و « يا أيها المؤمنون أطيعوا » قد فرض العمل في الإيمان على المؤمنين .
وقال للكافر الجاحد : « ويا أيها الكافرون آمنوا » ، قد فرض الإيمان عليهم . وقال للمنافق المداهن : « ويا أيها المنافقون أخلصوا » قد فرض الإخلاص عليهم .
ثم في الإيمان الحقيقة المحسن والمسىء كلاهما سواء ، وإيمان جبريل وميكائيل وجميع الملائكة والأنبياء وإيماننا سواء ، فمن قال : إيمان المسىء أقل من إيمان المحسن لا يجوز .
وهو مذهب من قال : الإيمان يزيد وينقص ، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية ، فإن [ 30 ] دين الله تعالى واحد لا يزيد بانضمام الطاعة ولا ينقص بارتكاب المعصية ؛ لأنه هو التصديق ذاته ، وأهله في أصله سواء والتفاضل بينهم بالحقيقة ومخالفة الهوى قال الله تعالى :
شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ قائِماً
[ آل عمران : 18 ] .
فهاهنا الملائكة والمؤمنون قالوا كما قال الله تعالى ، فلا فرق بينهم بالإيمان إلا أن الأنبياء فضلوا علينا بالأعمال واليقين لا بالإيمان .
وقال أصحاب الحديث : يزيد وينقص كالأعمال وهو قول الشافعي .
قلنا : لا نسلم لأن النبي صلّى اللّه عليه وسلم قال : « الإيمان يحمل في القلب زيادته ونقصانه كفر تام » « 1 » .
ومن قال : الإيمان يزيد وينقص فليس له في الإسلام نصيب « 2 » ؛ لأنه لا يتصور زيادته
هامش
( 1 ) لم أجده في كتب السنة ولا أدرى من أين جاء ولعله حديث باطل لا أصل له .
( 2 ) قوله : « ومن قال الإيمان يزيد وينقص فليس له في الإسلام نصيب » . قول فيه إجحاف ولم يوفق فيه إلى الصواب ؛ لأن ممن قالوا بذلك أئمته وأصحابه الّذي ينتسب إليهم وينقل عنهم كأبي حنيفة وأبى يوسف ومحمد والطحاوي ، وأيضا ممن قالوا بذلك جمهور أهل السنة .
وقد رأيت باستقراء الأدلة موافقة له في أن الإيمان لا ينقص خلافا لقول جمهور أهل السنة وخلافا لقوله الّذي رد فيه الزيادة والنقصان بالكلية .
فالحق الّذي أراه أن الإيمان يزيد ولا ينقص ، وهذه هي الأدلة التي تناقلها أصحاب مذهب -